الرئيسيةأخبارمحمد زفزاف يحاور بورخيس في الآخرة ضمن كتاب إسباني جديد

محمد زفزاف يحاور بورخيس في الآخرة ضمن كتاب إسباني جديد

محمد زفزاف

صدر حديثاً باللغة الإسبانية كتاب «خمس نظرات إلى بورخيس»، ضمن سلسلة «نظرات» التي تقوم فكرتها على دعوة محرر لاختيار مجموعة من النصوص التي تلتقي حول مفهوم أو فكرة أدبية مشتركة. ويأتي الكتاب عن دار «غريس تورمينتا»، من إعداد وتقديم الكاتب والمترجم الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، جامعاً نصوصاً لكل من أدولفو بيوي كاساريس، وسيلفينا أوكامبو، ومارغريت يورسنار، وكارلوس فوينتس، إلى جانب الكاتب المغربي الراحل محمد زفزاف.

ويتمحور الكتاب حول الطريقة التي تلقّى بها هؤلاء الكتاب أعمال خورخي لويس بورخيس، وكيف انعكس حضور الكاتب الأرجنتيني في ثقافاتهم ولغاتهم وكتاباتهم. ومن خلال اختياراته، يرسم مانغويل صورة متعددة الأبعاد لبورخيس، ليس فقط من خلال كتاباته، وإنما أيضاً عبر ما تركه من أثر في ذاكرة أصدقائه وفي نصوص كتّاب آخرين تأثروا بعالمه الأدبي.

ويحضر الأدب والثقافة العربيان بشكل لافت من خلال قصة «بورخيس في الآخرة» لمحمد زفزاف، التي ترجمها شادي روحانا من العربية إلى الإسبانية. وكانت القصة قد ظهرت للمرة الأولى في العدد 84 من مجلة «الناقد» الصادر في يونيو/حزيران 1995، حيث يستحضر زفزاف شخصية بورخيس ضمن حكاية تتداخل فيها عناصر التاريخ والمحاكمة والخيال.

ويضع زفزاف بورخيس في عالم ما بعد الموت، متخيلاً أنه يستعيد بصره ويحضر جلسة لإعادة محاكمة الأفشين، قائد جيوش الخليفة المعتصم، الذي اتُّهم بالزندقة. ويدخل بورخيس إلى المحكمة بملابس أوروبية، وسط مجموعة من الشخصيات التي تنتمي إلى عصور مختلفة، من المؤرخين الطبري والمسعودي وابن خلدون، وصولاً إلى الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي.

ويستند هذا اللقاء المتخيّل بين بورخيس والتاريخ العباسي إلى علاقة الكاتب الأرجنتيني العميقة بعالم «ألف ليلة وليلة»، الذي كان من أبرز مكونات مخيلته الأدبية. وفي القصة، يجد بورخيس نفسه داخل عالم عباسي مألوف بالنسبة إليه، فيدخل في حوار ساخر مع القاضي حول الأحكام التي صدرت بحق الأفشين. ويعترف القاضي بأن الخوف من القتل كان أحد أسباب إدانة المتهمين، ليرد عليه بورخيس ساخراً بأنهم موتى في الأصل.

ومن خلال هذا الانتقال بين الأزمنة، يعيد زفزاف النظر بصورة ساخرة في الأحكام التي أُصدرت ضد الأفشين، ومنها ما ارتبط بحيازته كتاباً اعتُبر مخالفاً للعقيدة، فضلاً عن عدم ختانه، وهي تفاصيل تتحول داخل القصة إلى مصدر للسخرية والضحك بين الحاضرين.

وفي نهاية الحكاية، يبدو بورخيس معجباً بالحياة في العالم الآخر، لكنه يطلب من الموجودين الاحتفاظ بسرّ وجودها وعدم إخبار الأحياء بها، حتى لا يدفعهم ذلك إلى الانتحار سعياً للوصول إليها.

ويأتي صدور «خمس نظرات إلى بورخيس» بالتزامن مع الذكرى الأربعين لرحيل الكاتب الأرجنتيني، فيما يشرح مانغويل في مقدمته الأساس الذي قامت عليه فكرة الكتاب. وهي فكرة تتقاطع مع اهتمامه الدائم بالمكتبة بوصفها فضاءً مفتوحاً للحوار والتناص وتجاور النصوص والأفكار.

وتتنوع المواد التي يضمها الكتاب بين شهادات شخصية وقراءات أدبية ونصوص تخييلية، بما يتيح تقديم صور مختلفة لبورخيس وعلاقته بالكتّاب الذين قرأوه وكتبوا عنه. وفي الوقت نفسه، تكشف هذه الاختيارات عن جانب من ذائقة مانغويل نفسه وقراءاته، إذ لا يكتفي الكتاب باستعادة صورة بورخيس، بل يعكس أيضاً الطريقة التي يقرأ بها مانغويل الأدب، وكيف يرى المكتبة باعتبارها مجالاً دائماً للتفاعل بين النصوص والكتّاب والأزمنة والثقافات.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *