في 30 يوليوز 2014، وبمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لعيد العرش، طرح الملك محمد السادس سؤالًا ظل حاضرًا في الذاكرة المغربية، بعد حديثه عن تطور ثروة المغرب وما أظهرته بعض الدراسات من ارتفاعها: «أين هي هذه الثروة وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟»
لم يكن السؤال عابرًا.
كان سؤالًا عن الثروة، وعن توزيع ثمارها، وعن مدى استفادة المغاربة منها، وعن ضرورة معرفة قيمة الثروة الوطنية وتوظيف نتائج ذلك في السياسات العمومية.
واليوم، في غشت 2026، يكون قد مر على ذلك السؤال اثنا عشر عامًا.اثنا عشر عامًا في عمر الأمم ليست لحظة عابرة.ولهذا لا أظن أننا نملك ترف نسيان السؤال، ولا أرى أن استعادته اليوم خروج عن منطق الدولة أو المؤسسات. فإذا كان السؤال قد طُرح رسميًا من أعلى سلطة في البلاد، فإن استمرار طرحه من طرف المواطنين ليس تشكيكًا في الوطن، وإنما تعبير عن رغبة في معرفة ما الذي تحقق، وما الذي تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التعثر.
بل ربما أصبح من المشروع أن نضيف إلى سؤال «أين الثروة؟» سؤالًا أكثر دقة وإلحاحًا:
من يملك الثروة… ومن يدفع الثمن؟
فالمغرب ليس بلدًا فقير المؤهلات، لأن الطبيعة نفسها وضعت بين أيدينا ثروات متعددة: موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، واجهتين بحريتين، جبالًا وسهولًا وواحات وصحراء، تنوعًا مناخيًا وبيولوجيًا، فوسفاطًا ومعادن، إمكانات شمسية وريحية، فلاحة متنوعة، وثروة حيوانية لها وزن اقتصادي واجتماعي.
نحن لا نتحدث عن بلد لا يملك شيئًا ثم نبحث له عن أعذار.نحن نتحدث عن بلد أعطته الطبيعة الكثير.
وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: ماذا فعل القرار بما أعطته الطبيعة؟ حين تكون الثروة أكثر من مجرد أرقام !!!
الثروة ليست فقط ما يوجد تحت الأرض، ولا ما يدخل إلى خزائن الدولة. الثروة هي أيضًا البحر، والأرض، والغابة، والجبل، والمراعي، والماء، والقطيع، والفلاح، والمربي، والعامل، والباحث، والطبيب، والأستاذ، والشاب الذي ينتظر فرصة، والمتقاعد الذي ينتظر أن تُصان كرامته بعد سنوات العمل.ومن الخطأ أن ننظر إلى هذه العناصر متفرقة. لأنها جميعًا أجزاء من منظومة واحدة اسمها الثروة الوطنية.
ولنأخذ القطيع مثالًا:
حين نتحدث عن الأغنام والماعز والأبقار والإبل، لا نتحدث عن مجرد أعداد من الحيوانات، بل عن ثروة وطنية، وعن مربي ماشية، وعن أمن غذائي، وعن أسعار، وعن دخل أسر، وعن سلسلة إنتاج كاملة.
وقد أظهر الإحصاء الوطني المنجز سنة 2025 وجود أكثر من 32.8 مليون رأس من الأغنام والماعز والأبقار والإبل، من بينها أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام ونحو 7.5 ملايين من الماعز وأكثر من مليوني رأس من الأبقار. كما تساهم تربية المواشي بنحو 35% من الناتج الداخلي الخام الفلاحي، وتوفر مصدر دخل لما يقارب 1.2 مليون كساب، وفق المعطيات الرسمية.
إذن، القطيع ليس تفصيلًا صغيرًا في الاقتصاد الوطني.إنه مورد اقتصادي واجتماعي وغذائي، وجزء من حياة ملايين المغاربة. لكن الطبيعة لا تتحمل مسؤولية القرار !!! لا يمكن أن نحاسب الطبيعة على الجفاف. ولا يمكن أن نحمّل المناخ مسؤولية تقلب الأمطار.ولا يمكن أن نطلب من الجبل أن يوفر ما لم توفره السماء. لكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه على القرار العمومي هو:
ماذا فعلنا عندما عرفنا أن الجفاف يتكرر؟
هل طورنا نموذجًا أكثر قدرة على مقاومة الصدمات؟ هل حافظنا على السلالات المحلية التي تكيفت عبر أجيال مع البيئات المغربية؟ هل طورنا المراعي والأعلاف؟ هل أحسنا تدبير الماء؟ هل كانت لدينا بيانات دقيقة ومحدثة عن حجم القطيع قبل أن تتفاقم الأزمات؟هل وصل الدعم إلى مستحقيه بأكبر قدر ممكن من الشفافية والعدالة؟
وهل كانت السياسة العمومية تستشرف المستقبل، أم كانت في كثير من الأحيان لا تتحرك إلا بعد أن تقع الأزمة؟
هذه ليست أسئلة عدائية… بل هي أسئلة طبيعية في دولة تريد أن تحمي ثروتها. لأن السياسة لا تستطيع أن تمنع الجفاف، لكنها تستطيع أن تقلل أثره.ولا تستطيع أن تتحكم في السوق العالمية، لكنها تستطيع أن تبني منظومة أكثر قدرة على الصمود.ولا تستطيع أن تخلق المطر، لكنها تستطيع أن تدبر الماء والمراعي والأعلاف والاستثمار والاستباق.وهذا ما يظهر الفرق بين المؤهل الطبيعي والقدرة السياسية على حسن استثماره. وسؤال الساعة ونحن مقبلون على الانتخابات هل يضع المترشحون هذه الإكراهات نصب أعينهم أم تكفيهم أن يطلوا علينا من مناصبهم غدا ويقولون : لقد وجدنا عليه من سبقنا !!! ان كان هذا اقصى قدرة برامجهم فليتقوا الله في هذا الوطن ،ويفسحوا المجال لكفاءات حقيقية تخرجه من هذا الغرق !!!
من الثروة إلى القرار
المشكلة إذن ليست دائمًا في أن البلد لا يملك الموارد. قد تكون المشكلة في الطريقة التي تتحول بها الموارد إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى حياة يومية للمواطن.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا نملك؟ بل: ماذا فعلنا بما نملك؟ وهل حوّلنا الثروة الطبيعية إلى إنتاج؟ وهل حوّلنا الإنتاج إلى فرص؟ وهل حوّلنا الفرص إلى استقرار اجتماعي؟ وهل وصلت ثمار التنمية إلى المواطن بصورة يشعر بها في حياته اليومية؟
لأن الثروة التي لا تتحول إلى تعليم جيد، وصحة كريمة، وفرص عمل، وأمن غذائي، وحماية اجتماعية، وشيخوخة آمنة، وأفق للشباب، تظل ثروة ناقصة في معناها الاجتماعي.
ليست المشكلة أن يكون في المجتمع فاسدون ؛ فهذا ابتلاء عرفته المجتمعات كلها.
المشكلة حين يصبح الفساد أقوى من آليات منعه، وحين تتحول أخطاء القلة إلى فاتورة تدفعها الأغلبية، وحين يجد الشباب أنفسهم مطالبين بدفع ثمن مستقبل لم يكونوا هم من صنعوا قراراته.
لا نريد انتقامًا….ولا تصفية حسابات….ولا إدانة جماعية….نريد شيئًا أبسط وأشد عدلًا: المحاسبة.
من يملك القرار، يتحمل مسؤوليته. ومن تسبب في الضرر، يجب أن يُسأل عنه. ومن أخطأ في حق المال العام أو المصلحة العامة، لا ينبغي أن تحميه المناصب ولا التحالفات ولا مرور الزمن.
لكن المحاسبة لا تعني أن يتحول الرأي العام إلى محكمة، ولا تعني أن نتهم شخصًا لمجرد الاشتباه.
إذا كانت هناك شبهات جدية حول استفادة شخص أو شبكة من قرارات عمومية، فالمطلوب هو فتح المساطر التي تسمح بالتحقق، وتفعيل أجهزة الرقابة، وإحالة ما يستوجب التحقيق إلى القضاء.
لأن المؤسسات هي التي تثبت المسؤولية، لا الانطباعات….والقضاء هو الذي يدين، لا المقالات.
لكن الصمت عن الأسئلة المشروعة ليس حيادًا…بل خيانة !!!
ومن يدفع الثمن؟
هنا نصل إلى الإنسان….لأن السؤال عن الثروة لا معنى له إذا لم نسأل عن المواطن الذي يعيش نتائج طريقة تدبيرها.
خذوا مثلًا المتقاعد وكبار السن.
المغرب يتغير ديموغرافيًا، وشيخوخة السكان أصبحت تحولًا مهمًا يفرض تحديات متعلقة بالدخل والصحة والحماية الاجتماعية والسكن والولوج إلى الخدمات والحقوق.
والمتقاعد ليس مجرد رقم في حسابات صناديق التقاعد….إنه إنسان أمضى سنوات من عمره في العمل.
إنه مواطن أدى دوره في المجتمع. إنه أب وأم، ورب أسرة، وصاحب خبرة، وشخص يفترض أن تكون نهاية مساره المهني أكثر أمنًا وكرامة.
ومن حقنا أن نسأل:
هل يشعر المغربي الذي أفنى عمره في العمل أن نهاية مساره تمنحه الكرامة والأمان اللذين يستحقهما؟
وإذا كانت أنظمة التقاعد تواجه اختلالات مالية وضغوطًا حقيقية، فهل يكفي أن نطلب من الأجيال الحالية واللاحقة أن تتحمل النتائج؟
أم ينبغي أن نسأل أيضًا:
متى بدأت الاختلالات؟ من كان مسؤولًا عن استشرافها؟ ما الإصلاحات التي اتخذت؟ لماذا تأخرت بعض الحلول؟ ومن يتحمل كلفة التأخر؟ هذه ليست أسئلة ضد المتقاعد ، بل هي أسئلة من أجل المتقاعد. والشاب يرى كل ذلك ،ثم نصل إلى الجيل الذي يراقب كل شيء من بعيد …الشاب.
الشاب لا يرى فقط راتبه الحالي…إنه يرى مستقبله…يرى ما يحدث في سوق العمل…يرى صعوبة السكن…يرى ارتفاع تكاليف الحياة…يرى أسرته وهي تكافح…ويرى كذلك المتقاعد الذي سبقه في العمر والعمل. ..وقد يسأل نفسه:
إذا أفنيت عمري في هذا البلد، فهل سيكون مستقبلي أكثر أمانًا؟ هذا السؤال لا ينبغي أن يخيفنا من الشاب ، بل ينبغي أن يخيفنا أن يصبح السؤال بلا جواب مقنع.
ولا يمكن اختزال الهجرة في سبب واحد؛ فالأسباب اقتصادية واجتماعية وتعليمية وشخصية وغيرها.
لكن لا يمكن أيضًا تجاهل أثر الإحساس بانسداد الأفق. فحين يرى الشاب مؤهلات وطنه، ثم لا يرى مكانًا واضحًا له داخل المستقبل الذي تصنعه تلك المؤهلات، يصبح من الطبيعي أن يسأل:
لماذا أبقى؟
وهنا يجب أن نكون شجعانًا بما يكفي لنسأل:
هل ساهم ضعف الثقة في المؤسسات والفرص والحماية الاجتماعية في جعل الخارج يبدو لبعض الشباب أكثر قابلية لبناء المستقبل؟
لا ينبغي أن نلوم الشاب على بحثه عن حياة أفضل…الأجدى أن نسأل:
لماذا لم يشعر بأن حياته الأفضل يمكن أن تُبنى هنا؟
الخطر ليس في أن يغضب الشباب… بل في أن يصمتوا !!! لأن هناك شيء أخطر من احتجاج الشاب على واقعه.…أن يفقد الرغبة في الاحتجاج أصلًا !!!
لأن المجتمع الذي يملك شبابًا غاضبين من أجل مستقبلهم، ما زال يملك طاقة يمكن توجيهها وإصلاح أسباب غضبها. أما حين يتحول الغضب إلى صمت، والصمت إلى لامبالاة، واللامبالاة إلى اقتناع بأن لا شيء سيتغير، فهنا يبدأ الخطر الحقيقي. ويغذي هذا الخطر ما يروج له ب :
استقطاب الشباب حين يصبح غاية في ذاته :
لأن هناك وجه آخر للمسألة لا يقل خطورة: ماذا نقدم للشباب ثقافيًا وفنيًا ونحن نتحدث عن بناء وعيه ومستقبله؟
عندما يدخل الشاب مرحلة اللامبالاة، بل وينغمس في رقصات تشبه «الجذبة» بمفهومها الشعبي أمام مهرجانات وعروض تفسد الذوق والأخلاق، يجد المسؤول السياسي الذي ساهم في إضعاف التكوين الثقافي والفني للشباب مبررًا جاهزًا: أن ما يبرمجه يستقطب الشباب !!! وكأن استقطاب الشباب هو الغاية، لا نوع ما نستقطبهم إليه.
يغيب عن هذا المنطق أن الشاب لم يُستقطب بالضرورة لأن ما قدم له هو ثقافة وفن ومعرفة ؛ قد يكون قد استُدرج إلى مجرد تفريغ جماعي، إلى حركة بلا معنى، وإلى ما يشبه «رقصة الديك» لغياب فضاء يُفتح أمامه يرفع ذوقه، ويصقل حسه، ويمنحه أدوات التفكير والإبداع.
فليس كل تجمع للشباب نجاحًا، وليس كل امتلاء للساحات دليلًا على نجاح السياسة الثقافية. ويظل السؤال ليس: كم شابًا حضر؟ بل: ماذا أخذ معه حين غادر؟ هل أخذ معرفة؟ هل اكتسب ذوقًا؟ هل اكتشف فنًا حقيقيًا؟ هل خرج أكثر وعيًا بنفسه وبمجتمعه؟ أم خرج وقد استُهلكت طاقته في فرجة عابرة؟؟؟ أو بالأصح في إفراغ جماعي لشحنة توتراته المتراكمة !!!
وبهذا نكون أمام مفارقة مؤلمة:
المسؤول الذي يقتل التكوين الثقافي والفني للشباب قد يبرهن على نجاح برنامجه بأنه «استقطب الشباب»، بينما يمكن أن يكون هذا الاستقطاب نفسه جزءًا من المشكلة. لأننا لا نبني الإنسان بمجرد جذبه إلى الساحة ، بل نبنيه بما نضعه أمام عينيه وعقله ووجدانه. وحين نُضعف المدرسة والثقافة والفن الجاد، ثم نملأ الفراغ بما يستهلك الذوق بدل أن يبنيه، لا ينبغي أن نتفاجأ لاحقًا من شاب فقد صلته بالكتاب، أو بالفن الراقي، أو بالنقاش العام، أو بالشأن الوطني. ثم لا ينبغي أن نستغرب عندما يتحول هذا الفراغ إلى لامبالاة، أو إلى هروب. فربما كان علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نفتخر بأننا «استقطبنا الشباب»:
هل استقطبناهم إلى المستقبل… أم استقطبناهم إلى الفراغ؟
وهنا أيضًا نتساءل عن المحاسبة !!! بل نطرحها بإلحاح كبير … هناك مال عام يصرف بسخاء ،وهناك شباب فقد البوصلة !!!
ليس لأننا نريد أن نمنع الفرح أو الترفيه أو الاحتفال، فالشباب من حقهم الفرح، والفن من حقه أن يكون متنوعًا. ولكن لأن الدولة التي تنفق على الثقافة والفن مطالبة بأن تسأل عن الأثر الذي تتركه برمجتها في الإنسان، لا عن عدد الأجساد التي ملأت الساحات.
أما أن نهرب من سؤال التكوين إلى مجرد سؤال الحضور، فذلك هو الخلط بين الاستقطاب وبناء الإنسان.
وقد يكون الشاب الذي نعتقد أننا نجحنا في استقطابه إلى مهرجان، هو نفسه الشاب الذي يفقد ثقته في الغد، ثم يبحث عن طريق للخروج من الوطن .
لذلك للمسؤول : ان المسألة أكثر من مجرد ذوق فني….إنها مسألة بناء إنسان، وبناء مواطن، وبناء وطن…. فلتتقوا الله فيما انتم مسؤولون عنه !!!
وعندما يصل الشاب إلى مرحلة يقول فيها:
«لا يهمني من يحكم، ولا يهمني من يقرر، ولا يهمني ما يحدث… سأبحث فقط عن مخرج لنفسي»،
فإن المشكلة لم تعد مشكلة شاب واحد……إنها مشكلة ثقة في المستقبل.
وقد يكون أخطر ما يمكن أن نخسره ليس شبابًا يختلفون معنا، وإنما شبابًا لم يعودوا يرون جدوى من الاختلاف أصلًا.
الشاب الذي يطالب بحقه ما زال مرتبطًا بوطنه؛ لأنه يرى أن من الممكن إصلاح شيء. أما الشاب الذي لم يعد يريد سوى الرحيل، فقد يكون قد وصل إلى مرحلة أكثر قسوة: لم يعد ينتظر إصلاحًا، بل يبحث عن بديل.
ولهذا فإن السؤال عن هجرة الشباب لا ينبغي أن يبدأ دائمًا من الحدود والمطارات والقوارب. ينبغي أن يبدأ قبل ذلك بكثير:
متى بدأ الشاب يفقد ثقته بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا؟
ومتى أصبح يرى أن الصمت أكثر فائدة من المشاركة، واللامبالاة أكثر راحة من المطالبة، والرحيل أكثر واقعية من الانتظار؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُزعجنا بقدر ما ينبغي أن توقظنا. لأن الوطن لا يخسر أبناءه فقط عندما يغادرون. قد يبدأ في خسارتهم قبل ذلك، عندما يتوقفون عن الإيمان بأن لهم دورًا في تغييره.
وبهذا تصبح المحاسبة تطرح وبشدة !!! ليس فقط دفاعًا عن المال العام، وإنما أيضًا دفاعًا عن الثقة العامة.فحين يرى المواطن أن الخطأ يمكن أن يُراجع، وأن المسؤول يمكن أن يُحاسب، وأن القرار يمكن أن يُصحح، يبقى لديه سبب للمشاركة والأمل في ان يظل بوطنه ويصبر …
أما حين يترسخ الاعتقاد بأن المناصب تحمي أصحابها، وأن التحالفات أقوى من المساءلة، وأن الأخطاء يدفع ثمنها المواطن وحده، فإن اللامبالاة تصبح نتيجة مفهومة، وإن كانت خطيرة.
نحن لا نريد شبابًا يكره وطنه، ولا شبابًا يصفق لكل شيء. نريد شبابًا يؤمن بأن صوته له معنى، وأن مستقبله يستحق أن يناضل من أجله داخل وطنه، وأن القانون والمؤسسات قادرة على إنصافه.
ليس الخطر على الوطن شاب غاضب يمكن أن نسمعه ، الأخطر شاب لم يعد يريد أن يتكلم أصلًا.
حين يرى الشاب المسن قبله ويتساءل :
هل يضمن هذا الوطن لأبنائه أن يتحول العمل والصبر والعطاء إلى كرامة وأمان في نهاية الطريق؟
فإذا رأى الشاب مسنًا أفنى عمره ثم ما زال يشعر بالهشاشة أو عدم الإنصاف، فمن الطبيعي أن يتساءل عن مصيره هو. وهذا لا يعني أن المتقاعد هو سبب أزمة الشاب ، ولا أن الشاب مسؤول عن أزمة المتقاعد. بل يعني أن كليهما قد يكونان ضحيتين لخلل أوسع في الاستشراف والتدبير والسياسات العمومية.
لا نريد أن نحمّل الوطن أخطاء من يديرونه ، وسنكون واضحين جدًا ،الوطن ليس خصمنا.
إن الدفاع عن الوطن لا يكون دائمًا بالتصفيق له ،أحيانًا يكون الدفاع الحقيقي عنه أن نقول:هذا القرار يحتاج إلى مراجعة….وهذا الملف يحتاج إلى تدقيق.….وهذه الثروة تحتاج إلى حماية.….وهذا المواطن يحتاج إلى إنصاف.….وهذا المسؤول، إن ثبت خطؤه أو فساده، يجب أن يُحاسب.
بعد اثني عشر عامًا… هل تغير السؤال؟
حين سأل ملك البلاد سنة 2014:
«أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟»
لم يكن السؤال عن الفوسفاط وحده…ولا عن المال وحده.
كان سؤالًا عن الثروة الوطنية وعن نصيب المواطن منها. واليوم، بعد اثني عشر عامًا، ربما لا يكفي أن نعيد السؤال نفسه….ربما أصبح علينا أن نضيف إليه أسئلة أكثر دقة:من استفاد؟ كيف استفاد؟ كيف دُبّرت الثروة؟ ما الذي تحقق للمواطن؟ ثم وهي الأهم :
من يتحمل مسؤولية القرارات التي نجحت؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي أضرت بالمصلحة العامة؟
وإذا كانت هناك استفادات شخصية غير مشروعة، فهل فُتحت بشأنها المساطر اللازمة؟
وإذا كانت هناك أخطاء جسيمة في السياسات العمومية، فهل تمت مراجعتها؟
وإذا كان هناك مسؤولون أخطؤوا، فهل جرى تقييم مسؤوليتهم؟ لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينبغي أن يبقى عبارة جميلة تُردد في المناسبات…إنه جوهر الدولة العادلة.
وفي النهاية…
لسنا أمام سؤال عن القطيع فقط…ولا عن المتقاعدين فقط….ولا عن الشباب فقط….ولا عن الهجرة فقط.
ولا حتى عن الفساد وحده…نحن أمام سؤال أكبر:
ماذا يفعل الإنسان بالثروة التي منحته إياها الطبيعة؟
هل يحولها إلى قوة اقتصادية واجتماعية؟ أم يتركها تتآكل بسبب سوء التدبير؟ وهل يحولها إلى أمل للأجيال؟ أم يجعل الأجيال تدفع ثمن أخطاء لم تشارك في صنعها؟
هل لدى المسؤول السياسي بالمغرب رغبة تجعل المغربي يشعر أن وطنه يفتح له المستقبل؟ أم يجعله يبحث عن المستقبل بعيدًا عنه؟
المغرب لا تنقصه المؤهلات….لدينا الأرض والبحر والجبل والصحراء والفوسفاط والمعادن والطاقة والفلاحة والقطيع، وقبل ذلك كله الإنسان المغربي.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:
هل المغرب يملك الثروة؟
بل:
هل نحسن إدارة ما نملك؟ وإذا لم نحسن، فمن يراجع؟ وإذا أخطأنا، فمن يحاسب؟
وإذا ترتب عن القرار ضرر، فمن يتحمل مسؤوليته؟ اذ لابد للخروج من المأزق أن تصبح المسؤولية مقرونة فعلًا بالمحاسبة، وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة .لأن الوطن لا يحميه الصمت عن الخلل ، ولا تحميه المجاملة ، ولا تحميه حماية الأشخاص من المساءلة. الوطن تحميه دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في محاسبتها، شفافة في تدبيرها، وقادرة على مراجعة أخطائها.
فليس من المنطقي أن تدفع أمة بشيبها وشبابها ثمن أخطاء فئة محدودة أو بتعبير آخر زمرة من المسؤولين لم يلتزموا بالقسم الذي يؤدونه امام ملك البلاد ، ثم يُطلب من أبنائها أن يصمتوا حفاظًا على صورة الوطن. . إن صورة الوطن لا تحميها المجاملة ، بل تحميها العدالة ،ولا يحمي الثروة الوطنية الصمت….يحميها التدبير الرشيد والشفافية والمحاسبة !!!
نحن بهذا لا نحاسب الوطن؛ نحن نريد أن نحميه بالمحاسبة.
وربما لهذا، بعد اثني عشر عامًا من سؤال ملك البلاد «أين هي هذه الثروة؟»، يحق لنا أن نطرح السؤال الذي يضع المواطن في قلب المعادلة:
من يملك الثروة… ومن يدفع الثمن؟

الدكتورة نزهة الماموني

