دخل المخرج علي بنجلون غمار إخراج الأفلام الطويلة بفيلمه” كوندافا، الأغنية اللعينة” من إنتاجات سنة2025، بينما تكلف رفقة والده حسن بنجلون بكتابة السيناريو. تدور معظم أحداث الفيلم في قرية أمازيغية في جبال الأطلس الكبير، حيث يعيش السكان في انسجام تام مع الطبيعة والمهام المنوطة بكل فرد، إلا أن وصول فقيه متشدد أحدث تحولا في البنية الاجتماعية للقرية، ودخلت الساكنة في صراعات كانت في غنى عنها. بنا المخرج علي بنجلون حكايته على الصراع بين الفقيه الذي يرمز لمرجعية ثقافية ودينية وافدة، وسكان القرية المرتبطين بثقافتهم الأصيلة.
واجه الفقيه ممارسات السكان الاجتماعية والفنية بالنقد، مستعملا اللغة العربية، ولإبراز قوة خطابه قدمته الكاميرا في جميع اللقطات في الأعلى، باستثناء لقطة الولوج الى المسجد لصلاة الجنازة، وهي إشارة لإضفاء المشروعية على آرائه، فقد تنافست سلطة الفقيه، وسلطة شيخ القبيلة ” أمغار” في البث في العديد من الخلافات والنزاعات في تاريخ القبيلة الأمازيغية.
نجح المخرج في الكاستينغ بالجمع بين ممثلين ينتسبون لتعبيرات لسانية مختلفة، مثل فاطمة عاطف، ومازيليا عباسي، وفاروق أزنابط، وعبد اللطيف عاطف… وهو ما لا يتحقق في الأعمال السينمائية بل والتلفزية الأمازيغية الأخرى، إلا في حالات نادرة. وهذه نقطة تحسب لهذا المخرج، ونأمل أن يحذو المخرجون المهتمون بهذا الصنف من الإبداع داخل المغرب حذوه، لأنه توجه يقوي التماسك الأمازيغي والوطني، ويكشف عن وحدة الجذر اللغوي للتعبيرات اللسنية الأمازيغية، وسيتيح الفرصة للمزيد من الغنى الإبداعي الأمازيغي، ولو أن المخرج سقط في فخ التصريح بصعوبة التواصل بين الريفي وزوجته السوسية في حوار خاص داخل الفيلم، عكس ما صرح به بعض الممثلين أثناء تصوير الفيلم لكاميرا القناة الأمازيغية.
شكلت جبال الأطلس الكبير ملجأ طبيعيا للقبائل الأمازيغية عبر التاريخ، هروبا من بطش السلطة المركزية، وهو ما جعلها تحافظ على خصوصياتها الثقافية والحضارية مقارنة مع المناطق السهلية، وبالتالي بطء التحول على مستوى العمران بلغة ابن خلدون، الأمر الذي حول هذه المناطق إلى حقل خصب للبحث الأنثربولوجي ، الذي ركز على دراسة مجموعة من الظواهر الاجتماعية، قاومت التغيير، ونذكر من هؤلاء “إرنيست كيلنر” و ” جاك بيرك” و” عبد الله حمودي” و”حسن رشيق” وغيرهم.
اعتبرت آلات التصوير التقليدية والكاميرات الرقمية من الوسائل التي وظفها الباحثون الأنثربولوجيون، لتوثيق ما تراه أعينهم في الميدان، وضمان العودة للتحقق والتأمل في بعض العلامات، والرموز لأن الملاحظة الآنية والمباشرة لا تسمح بتحقيق الفهم الجيد لتلك الظواهر. وإذا كان المخرج علي بن جلون نفى أن يكون عمله السينمائي ذو صيغة علمية، إلا أن ذلك لا يمنعنا من مقاربة بعض الجوانب العلمية الحاضرة أو المغيبة في هذا الفيلم.
انطلق المخرج من مشهد العرس على إيقاعات أحواش، التي تسمح بتوطين المجال الذي تدور فيه الأحداث، واشتغل على الإكسسوارات الأمازيغية في اللباس، وتأثيث الفضاء، استغل المخرج سياق العرس لإظهار سلطة الفقيه الذي رفض حضور حفل الزفاف بدعوى مجونيته، وبالتالي بناء موقف سلبي من الفنون والعادات والتقاليد المحلية، علما أن بعض فقهاء هذه المناطق ينظمون الشعر ويشاركون حفلات الرقص الجماعي، وهو ما اشتغل عليه المخرج حكيم بلعباس في فيلمه” الإمام الشاعر”، وبالتالي فإن موقف الفقيه في فيلم” كندافا” خارج عن سياق القبيلة الأمازيغية مثلما توثقه الدراسات الأنثربولوجية.
أبرز المخرج في مشاهد أخرى في فيلمه قيم التعاون والتضامن بين مكونات القبيلة الأمازيغية في إطار ما يعرف ب”التويزا” في العمل الزراعي، وتزويد الفقيه بالوجبات الغذائية بالتناوب، والتي تعبر عن أصالة هذه القيم في المجتمع الأمازيغي، القروي خصوصا، ونجد لها امتدادا في البيئة الحضرية في بعض المناسبات كالمآتم والكوارث الطبيعية. إلا أن المخرج سقط في هفوة أضعفت دلالته الأنثربولوجية، لأن مشهد جمع “المحصول الزراعي” من طرف النسوة والذي وظف مرتين، جاء شكليا على اعتبار أن ما تجمعه النسوة عبارة عن أغصان نباتات يظهر أنه تم تشتيتها يدويا قبل التصوير، إضافة أنه لم يدمج المشهد جيدا في السيناريو لجعل المشاهد على دراية بما يحدث.
دافع المخرج علي بنجلون على اختياراته الفنية بخصوص الملابس والإكسسوارت داخل الفيلم، واعتبر أنه نقل الواقع، إلا أن هناك نوع من المبالغة، فالشبان في القرى إن وجدوا لا ينسلخون عن انتمائهم خاصة في الأمور ذات الطابع المشترك، ولهذا حين يختار الشاب تسريحة شعره، ونوع ملابسه فإنه يفكر في الذوق العام في قريته، الذي يختلف عن ذوق المدينة. ونفس الشيء ينطبق على الشابة التي فقدت حبيبها، والتي عاشت تجربة نفسية صعبة في أجواء قروية، إلا أن أناقة ملابسها الدائمة، وشعرها المصفف جيدا، يكشف عن هفوة في الاشتغال على هذا النوع من الشخصيات.
تميز فيلم ” كندافا الأغنية اللعينة” في الجانب التقني، وتقنية السرد ب” الفلاش باك”، حيث وظف المخرج علي بنجلون خبرته في مجال التصوير، لالتقاط مشاهد جميلة، للطبيعة الأطلسية، ونقل أحاسيس الشخصيات من آهات وآلام، وابتسامات من خلال لقطات مقربة، كما أن توظيف الموسيقى الأمازيغية، وغيرها كان موفقا، خاصة وأن نهاية الفيلم انتصر فيها الفن على قيم التزمت، وتحققت المصالحة داخل القبيلة بإمامة الأب لجنازة ابنه، وبذلك نجح على بنجلون في المرافعة من أجل وقيمه الجميلة باستعمال الفن السينمائي.
محمد زروال


