برحيل الفنان التشكيلي البريطاني ديفيد هوكني، الذي توفي أمس الخميس في لندن عن عمر ناهز 88 عاماً، يفقد المشهد الفني العالمي واحداً من أبرز رموزه وأكثرهم تأثيراً في مسار الفن الحديث والمعاصر. وعلى امتداد مسيرة إبداعية تجاوزت ثمانية عقود، نجح هوكني في ترسيخ مكانته كفنان استثنائي لم يتعامل مع الصورة بوصفها انعكاساً للواقع فحسب، بل كمساحة مفتوحة للتأمل وإعادة التفكير في طبيعة الرؤية الإنسانية.
وُلد هوكني سنة 1937 بمدينة برادفورد شمال إنجلترا وسط بيئة اجتماعية متواضعة، وهو ما ترك أثراً واضحاً في تكوينه البصري والفكري. تلقى تعليمه الفني في كلية برادفورد للفنون قبل أن يلتحق بالكلية الملكية للفنون في لندن، حيث تخرج عام 1962، بالتزامن مع بروز جيل جديد من الفنانين البريطانيين الذين سعوا إلى إعادة صياغة ملامح الفن المعاصر.
في بداياته ارتبط اسمه بحركة “البوب آرت” البريطانية، غير أنه اختار مساراً مختلفاً داخل هذا التيار، إذ لم يقتصر اهتمامه على استلهام الصور الشعبية والثقافة الجماهيرية، بل انشغل أكثر بطرح أسئلة عميقة حول كيفية إدراك العالم بصرياً والعلاقة المعقدة بين العين وما تراه.
وشكل انتقاله إلى الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن الماضي محطة مفصلية في مسيرته الفنية، خصوصاً بعد استقراره في كاليفورنيا، حيث وجد في الضوء الساطع والفضاءات الرحبة مصدراً لإلهام جديد. وهناك أنجز عدداً من أشهر أعماله، من بينها لوحة “دفقة أكبر” ولوحة “بورتريه فنان (حوض سباحة مع شخصين)”، اللتان تحوّلتا إلى أيقونتين بصريتين تعكسان قدرته الفريدة على توظيف الضوء والزمن والفراغ داخل اللوحة.
لم تكن هذه الأعمال مجرد مشاهد يومية عابرة، بل مثلت محاولات فنية لإعادة تنظيم الفضاء البصري وإعادة بناء العلاقة بين عناصر الصورة المختلفة. فالماء والظل والجسد والفراغ تحولت جميعها إلى مكونات ضمن بنية إدراكية معقدة تتجاوز التمثيل الواقعي التقليدي.
ولم يكتف هوكني بالرسم الزيتي، بل اتجه مبكراً إلى التجريب عبر الكولاج الفوتوغرافي، مطوراً ما عُرف لاحقاً بـ”الصور المركبة”، وهي أعمال تعتمد على تجميع لقطات متعددة الزوايا داخل صورة واحدة، في محاولة لتحدي المنظور الأحادي الذي هيمن على الفن الغربي منذ عصر النهضة. وقد عكست هذه التجارب رؤية فكرية تتجاوز الجانب التقني إلى التساؤل حول طبيعة الإدراك البشري ذاته.
كما خاض الفنان البريطاني تجارب إبداعية متنوعة شملت تصميم الديكور المسرحي والعمل على الوسائط الرقمية، ليصبح من أوائل الفنانين العالميين الذين تبنوا استخدام الهواتف الذكية وأجهزة “آيباد” كوسائل للإنتاج الفني. ورغم هذا الانفتاح على التكنولوجيا، ظل وفياً لجوهر الرسم، معتبراً أن الأدوات الجديدة ليست سوى امتداد لعملية الإبداع الفني التقليدية.
ويُنظر إلى هوكني بوصفه أحد أبرز الفنانين الذين أعادوا إحياء النقاش حول مفهوم المنظور بعد التجربة التكعيبية، إذ سعى إلى تقديم رؤية متعددة الأبعاد تسمح للصورة باستيعاب الزمن والحركة، بدلاً من الاكتفاء بتثبيت لحظة واحدة من منظور ثابت.
وفي السنوات الأخيرة من حياته عاد إلى منطقة يوركشاير، حيث كرّس جانباً مهماً من أعماله لتوثيق تحولات الطبيعة وتبدل الفصول والضوء عبر أعمال رقمية متجددة، مواصلاً بذلك مشروعه الفني القائم على فكرة أن العالم في حالة تغير دائم، وأن الصورة ليست مجرد تسجيل للحظة، بل إعادة تشكيل مستمرة لتجربة رؤيتها.
وحظي هوكني خلال مسيرته باعتراف واسع من المؤسسات الثقافية والفنية العالمية، وعُرضت أعماله في أبرز المتاحف والمعارض الدولية، كما حققت بعض لوحاته أرقاماً قياسية في سوق الفن. ومع ذلك، فإن إرثه الحقيقي يتجاوز القيمة التجارية لأعماله، ليكمن في مساهمته العميقة في تطوير التفكير البصري وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالإدراك والصورة والفن.
طنجة الأدبية

