الرئيسيةأخباررحيل إدغار موران.. صاحب «الفكر المركب» وأحد أبرز مفكري العصر

رحيل إدغار موران.. صاحب «الفكر المركب» وأحد أبرز مفكري العصر

إدغار موران

غيّب الموت، مساء أمس في العاصمة الفرنسية باريس، المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي Edgar Morin عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية طويلة جعلت منه أحد أبرز الأسماء المؤثرة في الفكر الإنساني خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين.

تميّز موران بمشروع فكري واسع امتد إلى مجالات متعددة شملت علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والسينما والتربية والسياسة والبيئة، إلى جانب اهتمامه بقضايا العولمة والتحولات الحضارية الكبرى. وارتبط اسمه بشكل وثيق بمفهوم “الفكر المركب”، الذي دعا من خلاله إلى تجاوز النظرة الاختزالية للمعرفة، وإقامة جسور بين مختلف التخصصات لفهم الإنسان والعالم ضمن شبكة مترابطة من العلاقات والتفاعلات.

وشكّل مشروعه الفكري الضخم “المنهج”، الذي صدر في ستة أجزاء بين عامي 1977 و2004، حجر الزاوية في مسيرته العلمية، حيث سعى من خلاله إلى بناء رؤية معرفية عابرة للتخصصات، تنظر إلى الواقع بوصفه منظومة معقدة من الروابط المتداخلة، وتعمل على إعادة وصل ما فصلته المؤسسات الأكاديمية بين الإنسان والطبيعة، والفرد والمجتمع، والعلم والقيم الأخلاقية.

وفي المجال الثقافي والفني، أولى موران اهتماماً خاصاً للسينما والثقافة البصرية، وهو ما تجسد في مؤلفاته البارزة مثل “السينما أو الإنسان الخيالي” و”النجوم”، حيث تناول دور الصورة والخيال والنجومية في تشكيل الوعي الثقافي الحديث. كما اتجه خلال ستينيات القرن الماضي إلى دراسة الثقافة الجماهيرية في كتابه “روح العصر”، محللاً تأثير الصحافة والإعلانات وأنماط الاستهلاك وصناعة المشاهير في المجتمعات المعاصرة.

وحظي قطاع التربية بمكانة مهمة في أعماله الفكرية، لا سيما من خلال كتاب “المعارف السبعة الضرورية لتربية المستقبل”، الذي ناقش فيه تحديات المعرفة الإنسانية، وأهمية فهم الآخر، والتعامل مع اللايقين، وترسيخ الأخلاق الإنسانية في عالم سريع التغير.

كما انشغل موران في مؤلفاته السياسية والحضارية بمستقبل البشرية في ظل العولمة والأزمات المتلاحقة، وتناول قضايا البيئة والحروب وتصاعد النزعات الهوياتية المغلقة، ومن أبرز أعماله في هذا السياق كتاب “أرض ـ وطن”، الذي طرح فيه رؤيته لما أسماه “العصر الكوكبي” ومصير الإنسان داخله.

وعُرف الراحل أيضاً بمواقفه الداعمة للحقوق الفلسطينية وانتقاداته المتكررة للاحتلال الإسرائيلي وسياسات الاستيطان والحصار المفروض على قطاع غزة. وقد عبّر عن مواقفه من منطلق كونه يهودياً فرنسياً وعضواً سابقاً في المقاومة ضد النازية، مؤكداً في أكثر من مناسبة ضرورة التمييز بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة اليهود، ومشدداً على أن فهم القضية الفلسطينية يقتضي استحضار أحداث التهجير واللجوء التي بدأت عام 1948 وما تلاها من احتلال وتطورات سياسية.

وُلد موران، الذي كان يحمل اسم إدغار ناهوم، في باريس عام 1921 داخل أسرة يهودية، ودرس التاريخ والجغرافيا والقانون قبل أن ينخرط في صفوف المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث اتخذ الاسم الذي اشتهر به لاحقاً. وانضم بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يغادره نتيجة خلافات فكرية وسياسية، وهي التجربة التي تناولها بالنقد والمراجعة في كتابه “نقد ذاتي”. وفي سنواته الأخيرة، واصل التأمل في التحولات التاريخية الكبرى من خلال مؤلفات مثل “دروس قرن من الحياة” و”هل من دروس للتاريخ؟”، مستخلصاً من قرن كامل من التجارب الإنسانية دروساً حول الكوارث والفرص التي تصنع مسار البشرية.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *