الرئيسيةأخبارجدل في واشنطن حول إعادة كتابة التاريخ الأمريكي وإزالة رموز العبودية

جدل في واشنطن حول إعادة كتابة التاريخ الأمريكي وإزالة رموز العبودية

إعادة كتابة التاريخ الأمريكي

تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الدفع بسردية تاريخية جديدة تركز على إبراز ما تصفه بـ“عظمة” الولايات المتحدة، مقابل تقليل التركيز على فصول العبودية والتمييز العنصري في تاريخ البلاد، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والثقافية الأمريكية. وفي هذا السياق، بدأت السلطات الفدرالية في واشنطن ومناطق أخرى تنفيذ تغييرات طالت نصوصاً تذكارية ومعارض عامة وأسماء مواقع تاريخية، وسط اتهامات بمحاولة إعادة صياغة الذاكرة الوطنية.

في إحدى الضواحي الراقية بالعاصمة واشنطن، أثار اختفاء لوحة تعريفية قرب نافورة تخلّد ذكرى سناتور معروف بدعمه لأفكار تفوّق العرق الأبيض موجة استياء بين السكان، الذين رأوا في الخطوة محاولة لطمس جوانب مظلمة من التاريخ الأمريكي بدل مواجهتها. وكانت هيئة المتنزهات الوطنية قد وضعت اللوحة لتسليط الضوء على المواقف العنصرية للسناتور فرانسيس نيولاندز، الذي عاش بين عامي 1846 و1917، قبل أن يتم إزالتها لاحقاً بقرار من إدارة ترامب.

وجاء هذا الإجراء تنفيذاً لمرسوم رئاسي صدر بهدف “استعادة الحقيقة في التاريخ الأمريكي”، بالتزامن مع اقتراب الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة في الرابع من يوليو/تموز. وينص المرسوم الصادر في مارس/آذار 2025 على ضرورة إعادة صياغة محتوى النصب واللوحات التابعة لوزارة الداخلية وهيئة المتنزهات الوطنية بما يبرز “إنجازات الأمة” دون ما يعتبره “تقليلاً من شأن الأمريكيين في الماضي أو الحاضر”.

كما ألزم المرسوم المسؤولين عن أكثر من 400 موقع تاريخي بمراجعة شاملة لمحتوى اللوحات والعروض المرئية والمواد التذكارية. ورغم أن العديد من هذه التعديلات لا يزال قيد الدراسة، فقد شهدت بعض المواقع خطوات عملية، من بينها إزالة معرض يسلط الضوء على تاريخ العبودية في فيلادلفيا مطلع العام، ما فجّر لاحقاً نزاعاً قضائياً بين المدينة والجهات الفدرالية، انتهى بإعادة بعض اللوحات بشكل مؤقت بانتظار حكم نهائي.

وفي واشنطن، لجأ المحامي ديفيد سوبل إلى القضاء بعد إزالة لوحة تعريفية كانت توثق دور السناتور فرانسيس نيولاندز في دعم سياسات عنصرية، بما في ذلك منع بيع المنازل للسود واليهود في حي تشيفي تشيس خلال أواخر القرن التاسع عشر، إضافة إلى مواقف تاريخية دعمت مشاريع لإعادة السود إلى أفريقيا، بحسب ما ورد في وثائق صحفية تعود إلى عام 1913. وكانت اللوحة قد وُضعت عام 2022 بعد سنوات من الضغط الشعبي والسياسي، قبل أن تُزال بهدوء في أواخر عام 2025، ولم يبقَ سوى النقش الحجري الأصلي الذي يقدّم وصفاً إيجابياً للسناتور بوصفه “رجل دولة يهتم بمصالح الجميع”.

ووصف سوبل هذه الإزالة بأنها أشبه بعمليات “حرق الكتب” ولكن بشكل صامت، معتبراً أن خطورة الأمر تكمن في اختفاء المعلومات دون ضجيج أو نقاش علني، مضيفاً أن ذلك يجعل الأمر “أكثر إثارة للقلق”. من جهتها، أكدت وزارة الداخلية الأمريكية أنها تنفذ المرسوم الرئاسي، مشيرة إلى أن الهدف هو مراجعة المحتوى التوثيقي لضمان “الدقة والنزاهة” ومواءمته مع “القيم الوطنية المشتركة”، دون تقديم تفاصيل إضافية.

وفي سياق متصل، أعادت الإدارة الأمريكية الحالية تسمية قواعد عسكرية كانت تحمل أسماء جنرالات كونفدراليين، شاركوا في الحرب الأهلية دفاعاً عن العبودية، وذلك بعد أن كانت قد أزيلت خلال فترة الرئيس السابق جو بايدن عقب احتجاجات حركة “حياة السود مهمة”. كما أعيد في أكتوبر/تشرين الأول الماضي نصب تذكاري في واشنطن يخلّد أحد جنرالات الجنوب، بينما عاد في أبريل/نيسان تمثال لسيزر رودني، أحد الموقعين على إعلان الاستقلال، والذي كان مالكاً للعبيد.

وأكدت وزارة الداخلية أن هذه الخطوات تأتي في إطار الاستعداد لاحتفالات الرابع من يوليو، مع التزام الحكومة بـ“توثيق كامل تاريخ الأمة”. لكن منتقدين يرون أن هذه السياسات تعيد تشكيل الذاكرة التاريخية بطريقة انتقائية، إذ يقول آلان سبيرز من جمعية الحفاظ على المتنزهات الوطنية إن “الدول القوية لا تخفي تاريخها، بل تتعلم منه”.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *