في مدينة هيوستن بولاية تكساس، يقدّم متحف الفنون الجميلة معرضاً كبيراً يعيد قراءة أحد أبرز مسارات الفن الحديث الأوروبي في القرن العشرين من خلال مجموعة هاينز بيرغروين، التي تضم أعمالاً محورية لكل من بابلو بيكاسو وبول كلي وهنري ماتيس وبول سيزان وجورج براك وألبرتو جياكوميتي. ويُعد هذا العرض أول تقديم أميركي لهذه المجموعة المتنقلة التي تضم نحو مئة عمل فني تشمل لوحات ورسومات وأعمالاً على الورق ومنحوتات.
ويُفتتح معرض “بيكاسو – كلي – ماتيس: روائع من متحف بيرغروين” يوم الأربعاء في متحف الفنون الجميلة بهيوستن داخل مبنى “أودري جونز بيك”، على أن يستمر حتى 13 سبتمبر/أيلول، ضمن جولة دولية لمجموعة بيرغروين التي تغادر متحفها في برلين خلال فترة الترميم. ويتيح هذا التنقل عرض المقتنيات في سياقات متحفية متعددة، تعيد مساءلة تشكّل الحداثة الأوروبية خارج مركزها التاريخي، وتعيد تقديمها عبر رؤية جامع واحد أسهم في صياغة جزء مهم من سرديتها.
يتوزع المعرض على محاور موضوعية تشمل الطبيعة الصامتة، والصورة الإنسانية، والمنظر الطبيعي، والتجريد، إلى جانب قاعات مخصصة لبيكاسو وكلي، حيث تُعرض أعمال تتتبع مسارهما الفني من البدايات إلى النضج. ويبرز بول كلي في قاعة شبه مستقلة تكشف تنوع إنتاجه بين الرسوم والدراسات اللونية والتجريد الإيقاعي المتأثر بتجربة الباوهاوس، ومن أبرز أعماله المعروضة “امرأة مختومة (Sealed Lady)”، إلى جانب أعمال تُظهر تحوله إلى اللون باعتباره بنية فكرية والخط بوصفه حركة تشكيل داخلية.
أما بيكاسو، فتتجلى أعماله كسرد بصري متعدد الطبقات يمتد من بداياته في “بورتريه جاومي سابارتيه” (1904) و”رأس شاب” (1906) ضمن المرحلة الزرقاء، مروراً بالتكعيبية كما في “طبيعة صامتة على بيانو” (1911–1912)، وصولاً إلى “طبيعة صامتة أمام نافذة، سان رافاييل” (1919). كما يبرز حضور القلق الوجودي والحرب في أعمال مثل “امرأة جالسة” (1938) و”النائمة العارية” (1942)، فيما تحتل “دورا مار بأظافر خضراء” (1936) مكانة مركزية باعتبارها نقطة تقاطع بين التجربة الشخصية والتحول الأسلوبي.
وتحضر شخصية دورا مار داخل المعرض بشكل مزدوج، إذ تظهر كموضوع فني في أعمال بيكاسو، وفي الوقت نفسه كفنانة مستقلة من خلال رسوماتها وأعمالها الخاصة.
في قاعات أخرى، تُعرض أعمال هنري ماتيس عبر قصاصاته الورقية المتأخرة التي مثّلت تحولاً جذرياً في فهم الشكل، خاصة في أعمال مثل “عناصر نباتية” (1947) و”ميموزا” (1949)، حيث يتحول القص والتجميع إلى بناء تشكيلي قائم بذاته. ويوازي ذلك حضور جورج براك بوصفه الشريك المؤسس للتكعيبية إلى جانب بيكاسو، في حوار بصري يعيد قراءة نشأة الحركة وتطورها داخل السياق الأوروبي.
أما بول سيزان، فيحضر بوصفه مرجعاً تأسيسياً للفن الحديث، من خلال أعمال مثل “بورتريه مدام سيزان” (1885) و”دراسة تفاحة”، التي تكشف إعادة بناء المنظور والعلاقة بين الأشياء والفراغ، وهي الرؤية التي ستؤثر لاحقاً في بيكاسو وكلي ضمن تحولات القرن العشرين. ويكتمل المشهد بأعمال ألبرتو جياكوميتي، خصوصاً منحوتاته البرونزية الطويلة مثل “امرأة واقفة طويلة” (1960)، التي تستحضر هشاشة الجسد الإنساني وعزلته داخل الفضاء.
ويستعيد المعرض سيرة هاينز بيرغروين، التاجر وجامع الأعمال الفنية الذي غادر برلين في ثلاثينيات القرن الماضي هرباً من الاضطهاد النازي، قبل أن يعمل في الولايات المتحدة ضمن مؤسسات فنية من بينها متحف سان فرانسيسكو للفن الحديث، ثم يؤسس صالته في باريس عام 1947، حيث ارتبط بعدد من الفنانين الذين اقتنى أعمالهم، لتتشكل لاحقاً مجموعته كأحد أبرز مقتنيات الفن الحديث قبل أن تُنقل إلى متحف بيرغروين في برلين.
تعتمد سينوغرافيا العرض، بحسب بيان المتحف، على جدران بألوان قوية مستوحاة من الحداثة الأوروبية في منتصف القرن العشرين، حيث تتجاور الأزرقات والحمراوات والصفراوات مع الأعمال المعروضة، بما يعيد صياغة العلاقة بين العمل الفني والمكان، ويمنح التجربة طابعاً بصرياً مكثفاً يقوم على القرب من الأعمال نتيجة صغر حجم عدد كبير منها.
طنجة الأدبية

