الرئيسيةأخبارالفن العربي في فينيسيا: اشتباك الهوية أم خطاب جمالي منفصل؟

الفن العربي في فينيسيا: اشتباك الهوية أم خطاب جمالي منفصل؟

بينالي فينيسيا

تنطلق الدورة الحادية والستون من بينالي فينيسيا وسط جدل واسع رافق مشاركة إسرائيل وروسيا، وهو جدل انتهى باستقالة هيئة التحكيم، في مشهد يعكس التوتر السياسي الذي بات يوازي ثقل الحدث الفني نفسه. وتمتد هذه الدورة إلى غاية 22 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تحت شعار “بمقامات خفيضة”، في إشارة تبدو أقرب إلى التأمل الهادئ في عالم فني يزداد صخباً وتعقيداً.

تشارك في هذه الدورة عدة أجنحة عربية ترفع شعار الاشتباك مع أسئلة الهوية والذاكرة والتراث، غير أن هذا الاشتباك يثير تساؤلات حول مدى تجسيده فعلياً داخل الأعمال المعروضة، أم أنه يظل في حدود التنظير المفاهيمي الذي لا ينعكس دائماً على عمق المحتوى الفني.

تُعد مصر من أقدم المشاركين العرب في البينالي منذ عام 1938، مع جناح دائم منذ 1952. وتمثلها هذا العام أعمال الفنان أرمن آغوب من خلال مشروع “جناح الصمت: بين المحسوس واللامحسوس”، الذي يدعو إلى التأمل في فكرة الصمت بوصفه مساحة فلسفية. يقدم آغوب خمس منحوتات ضخمة من الغرانيت تعتمد اقتصاد التعبير وتبتعد عن الاستعراض البصري، في مفارقة لافتة داخل حدث عالمي يقوم على الضجيج الفني والتنافس البصري. غير أن هذا الصمت التأملي، رغم قوته الجمالية، يبدو منفصلاً عن سياقه الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في ظل واقع مصري معقد يجعل من الصمت نفسه سؤالاً أكثر منه اختياراً جمالياً.

في المقابل، تحضر فلسطين بفعالية موازية تحمل عنوان “غزة.. بلا كلمات.. شاهدوا المعرض”، في مقاربة فنية تعتمد على الشهادة البصرية المباشرة، بعيداً عن التنظير، حيث تتحول الأعمال إلى توثيق حي لتجربة إنسانية قاسية.

أما قطر فتشارك بمشروع “بدون عنوان.. تلاقي أصوات متفردة”، الذي يجمع أسماء فنية متعددة من خلفيات جغرافية وثقافية مختلفة، من بينها ريركريت تيرافانيجا وصوفيا الماريا وطارق أطوعي وعلياء فريد، إضافة إلى الطاهي الفلسطيني فادي قطان، في خطوة توسع مفهوم الفن ليشمل الممارسة اليومية والذاكرة الحسية والصوتية.

وتقدم الإمارات مشروع “وشوشة” بإشراف فني لبانة قطان، حيث يتم استكشاف الصوت كتراث غير مادي، عبر فضاءات تتدرج بين الهدوء والضجيج، في محاولة لربط الصوت بالهوية واللغة والتاريخ الشفهي والجسد.

ويمثل المملكة العربية السعودية هذا العام عمل للفنانة دانا عوارتاني ذات الأصول الفلسطينية، بإشراف القيّمة الفنية أنتونيا كارفر، فيما تشارك سلطنة عُمان بجناح وطني بإشراف الفنان هيثم البوصافي.

أما لبنان فيشارك عبر الفنان نبيل نحاس الذي يقدم عملاً تركيبياً مكوناً من 26 لوحة بألوان الأكريليك، بينما يقدم الجناح السوري مشروعاً للفنانة سارة شمّة مستوحى من أبراج الدفن في تدمر، بما يحمله من إحالات تاريخية على الفقد وإعادة البناء.

ويمثل المغرب لأول مرة بجناح وطني في البينالي من خلال مشروع “أزيطا” للفنانة أمينة أكزناي، وهو عنوان أمازيغي يحيل إلى “النول” وطقوس النسيج. يمتد العمل على مساحة واسعة داخل الأرسنالي، وقد تم إنجازه بتعاون مع أكثر من 130 حرفياً، أغلبهم من النساء، في تجربة تمزج بين الفن المعاصر والحرفة التقليدية والذاكرة الجماعية.

وفي موازاة ذلك، تحضر فلسطين مجدداً عبر معرض “غزة.. بلا كلمات.. شاهدوا المعرض” في قصر مورا، الذي يضم مئة قطعة من التطريز الفلسطيني أنجزتها نساء من مخيمات اللجوء في لبنان والأردن والضفة الغربية، في عمل يقوم على البساطة المادية والحمولة الرمزية الثقيلة، دون وسيط مؤسساتي أو خطاب فني معقد، بل عبر الغرزة بوصفها وثيقة حياة.

في النهاية، تكشف هذه المشاركات العربية في بينالي فينيسيا عن تباين واضح بين خطاب الهوية كما يُصاغ فنياً، وبين الواقع الذي يستمد منه هذا الخطاب شرعيته، ليبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الفن هنا يعكس التجربة فعلاً، أم يعيد تشكيلها وفق منظور جمالي منفصل عن سياقها الحي.

 طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *