برحيل الأكاديمي الأمريكي جون لويس إسبوسيتو عن عمر ناهز 86 عاماً، فقدت الساحة الفكرية العالمية أحد أبرز الباحثين غير المسلمين الذين كرّسوا حياتهم لدراسة الإسلام والدفاع عن فهمه بعيداً عن الصور النمطية. فقد توفي في مدينة فيلادلفيا الأمريكية متأثراً بمضاعفات عملية جراحية في القلب، وفق ما أعلنه مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورجتاون، الذي ارتبط اسمه به منذ تأسيسه قبل ثلاثة عقود.
يُعد إسبوسيتو من أكثر الشخصيات الأكاديمية تأثيراً في حقل الدراسات الإسلامية في الغرب، إذ أسهم لعقود في بناء رؤية علمية جديدة للإسلام والمجتمعات المسلمة داخل الجامعات الأمريكية والغربية. وبينما كان كاثوليكياً ملتزماً، اكتسب احتراماً واسعاً في العالم الإسلامي، رغم تعرضه لانتقادات داخل الولايات المتحدة من جهات اتهمته بالدفاع عن الإسلام، وهي اتهامات كان يواجهها بهدوء، مؤكداً أن مهمته هي تقديم المعرفة لا الانحياز.
ولد جون إسبوسيتو عام 1940 في أسرة أمريكية من أصول إيطالية، ونشأ في بيئة دينية محافظة دفعته إلى الانضمام في سن مبكرة إلى دير للرهبان الكبوشيين، حيث أمضى عشر سنوات يستعد للكهنوت. غير أنه غادر الدير قبل عامين فقط من رسامته كاهناً، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته قادته إلى دراسة اللاهوت، ثم إلى اكتشاف الإسلام، وهو التحول الذي غيّر مساره العلمي بالكامل.
جاءت نقطة التحول عندما التحق بدراسة مقرر جامعي عن الإسلام بناءً على إلحاح أحد أساتذته، ليكتشف ديناً يجمعه بالمسيحية الكثير من الروابط العقائدية والتاريخية، وهو ما أثار فضوله ودفعه إلى التخصص في الدراسات الإسلامية. وفي عام 1974 حصل على الدكتوراه من جامعة تمبل بإشراف المفكر الفلسطيني الأمريكي إسماعيل راجي الفاروقي، الذي كان له أثر بالغ في توجيه مسيرته الأكاديمية.
خلال سنواته الأولى، زار إسبوسيتو عدداً كبيراً من الدول الإسلامية، بينها مصر والأردن والسودان والكويت وماليزيا وإندونيسيا وباكستان، كما درس اللغة العربية في لبنان، مؤمناً بأن فهم الإسلام لا يكتمل من خلال النصوص وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى معايشة المجتمعات التي تعيشه في واقعها اليومي.
ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، أصبح إسبوسيتو أحد أبرز الأصوات الأكاديمية التي لجأت إليها وسائل الإعلام والمؤسسات الأمريكية لفهم الإسلام والحركات الإسلامية، وهي المرحلة التي رسخت مكانته كباحث متخصص في هذا المجال.
انتقل عام 1993 إلى جامعة جورجتاون، حيث أسس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي، الذي تحول إلى واحد من أهم المراكز العالمية المتخصصة في الحوار بين الأديان. وتمكن خلال مسيرته من دعم المركز بملايين الدولارات، قبل أن يحصل على منحة كبيرة أسهمت في توسيع نشاطه الأكاديمي والبحثي.
ترك الراحل إرثاً علمياً ضخماً تجاوز خمسين كتاباً وموسوعة، تُرجمت إلى أكثر من 35 لغة، من أبرزها “الإسلام.. الصراط المستقيم”، و”التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة؟”، و”ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام”، إلى جانب إشرافه على موسوعات أكسفورد الخاصة بالعالم الإسلامي، والتي أصبحت مراجع أساسية في الجامعات حول العالم.
كما لعب دوراً بارزاً في تفنيد الصور النمطية التي ربطت الإسلام بالعنف، خصوصاً بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث شدد في كتبه ومحاضراته على ضرورة الفصل بين الإسلام كدين عالمي والجماعات المتطرفة التي تدّعي تمثيله. ورفض أطروحة “صدام الحضارات”، معتبراً أن الحوار والمعرفة هما السبيل لتجاوز سوء الفهم بين الشعوب.
ولم تتوقف جهوده عند التأليف، بل أسس عام 2015 “مبادرة الجسر” بجامعة جورجتاون لرصد ظاهرة الإسلاموفوبيا وتحليل خطاب الكراهية ضد المسلمين، وظل يشرف عليها حتى سنواته الأخيرة، معتبراً أن مواجهة التعصب مسؤولية أكاديمية وأخلاقية.
كما واصل حضوره الفكري حتى أيامه الأخيرة، مدافعاً عن الحقوق الإنسانية، ومنتقداً تصاعد الإسلاموفوبيا في الغرب، ومؤكداً أن المسلمين كانوا جزءاً أصيلاً من التاريخ الأمريكي منذ بداياته، وأن مساهماتهم كثيراً ما غُيبت عن السرديات التاريخية السائدة.
وبرحيل جون إسبوسيتو، يخسر العالم الأكاديمي باحثاً كرّس أكثر من نصف قرن لبناء جسور الحوار بين الحضارات، وترك إرثاً فكرياً سيظل مرجعاً أساسياً لكل من يسعى إلى فهم الإسلام بعيداً عن الأحكام المسبقة.
طنجة الأدبية

