الرئيسيةأخبارمن الغاز إلى المعرفة.. محطات بارزة في إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

من الغاز إلى المعرفة.. محطات بارزة في إرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية يوم 12 يوليو/تموز 2026 عن عمر ناهز 74 عامًا، تطوى صفحة أحد أبرز القادة الذين ارتبط اسمهم بتحول قطر من دولة تعتمد على موارد الطاقة إلى مركز إقليمي للثقافة والتعليم والمعرفة. فقد ترك وراءه إرثًا يتجاوز الإنجازات الاقتصادية، ليشمل مشاريع ثقافية وتعليمية وإعلامية أصبحت علامات بارزة في المشهد العربي والعالمي.

ومن أبرز الشواهد على هذه الرؤية متحف الفن الإسلامي في الدوحة، الذي بدأ التفكير فيه أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما أوكلت قطر مهمة تصميمه إلى المعماري العالمي آي إم باي، صاحب هرم متحف اللوفر الزجاجي والحائز جائزة بريتزكر. ورغم اعتزاله العمل آنذاك، قبل المهمة بعد رحلة استمرت ستة أشهر في عدد من الدول الإسلامية بحثًا عن مصدر إلهام يعكس روح العمارة الإسلامية، قبل أن يستلهم تصميمه من سبيل الوضوء في مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة. كما اشترط إقامة المتحف على جزيرة اصطناعية تبعد عن كورنيش الدوحة لضمان بقائه بعيدًا عن ازدحام المباني الحديثة والحفاظ على حضوره البصري.

وعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت قطر خلال فترة حكم الشيخ حمد، التي بدأت عام 1995 واستمرت حتى 2013، قفزة تاريخية جعلتها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى جانب امتلاكها أحد أكبر الصناديق السيادية عالميًا واحتلالها مراتب متقدمة في متوسط دخل الفرد. غير أن استراتيجية التنمية لم تقتصر على استثمار عائدات الطاقة، بل اعتمدت على توظيفها في بناء اقتصاد متنوع قائم على التعليم والابتكار والاستثمار في الإنسان.

وفي العام نفسه الذي تولى فيه الحكم، أسس الشيخ حمد والشيخة موزا بنت ناصر مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، واضعين نصب أعينهما هدف الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة. ومع مرور السنوات، أصبحت هذه الرؤية واقعًا تجسد في المدينة التعليمية التي استقطبت فروعًا لعدد من أعرق الجامعات العالمية، بينها جورجتاون وكارنيغي ميلون ونورث وسترن ووايل كورنيل الطبية وفرجينيا كومنولث، لتتيح للطلاب في قطر والمنطقة الحصول على تعليم عالمي دون مغادرة بلدانهم.

وجاء إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030 ليؤكد هذا التوجه، حيث جمعت بين التحديث والحفاظ على الهوية الوطنية، في معادلة هدفت إلى تحقيق التنمية دون التفريط في الموروث الثقافي والاجتماعي، وهي الفلسفة التي انعكست في مختلف المشاريع التي شهدتها البلاد خلال تلك المرحلة.

وفي المجال الثقافي، شهدت قطر نهضة واسعة مع تأسيس هيئة متاحف قطر عام 2005 برئاسة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، التي برزت كواحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في عالم الفن. وخلال سنوات قليلة، تحولت الدوحة إلى وجهة ثقافية عالمية بافتتاح متحف الفن الإسلامي عام 2008، الذي يضم آلاف القطع الفنية التي توثق أكثر من أربعة عشر قرنًا من الحضارة الإسلامية، ثم متحف الفن العربي الحديث الذي أصبح أكبر تجمع للفن العربي الحديث في العالم بفضل مجموعته التي تضم أكثر من تسعة آلاف عمل.

كما انطلقت في تلك المرحلة مشاريع ثقافية كبرى، من بينها متحف قطر الوطني الذي صممه المعماري الفرنسي جان نوفيل مستلهمًا شكل “وردة الصحراء”، والحي الثقافي كتارا الذي أصبح منصة للفنون والموسيقى والمسرح، إضافة إلى تأسيس أوركسترا قطر الفلهارمونية بمشاركة موسيقيين من مختلف أنحاء العالم.

ولم تقتصر الاستثمارات الثقافية على بناء المؤسسات، بل امتدت إلى دعم الفن العالمي، إذ أصبحت قطر من أكبر المشترين للأعمال الفنية، كما احتضنت أعمالًا فنية ضخمة في الفضاء المفتوح، أبرزها منحوتة “شرق-غرب/غرب-شرق” للفنان الأمريكي ريتشارد سيرا في صحراء الزكريت، والتي تحولت إلى واحدة من أشهر المعالم الفنية في المنطقة.

وفي ميدان الإعلام، شكّل إطلاق قناة الجزيرة عام 1996 محطة فارقة في تاريخ الإعلام العربي، بعدما قدمت نموذجًا مختلفًا في تناول الأخبار والنقاشات العامة تحت شعار “الرأي والرأي الآخر”، لتحدث تحولًا كبيرًا في المشهد الإعلامي العربي وتؤسس لمرحلة جديدة في صناعة الأخبار.

كما شهدت قطر تأسيس عدد من المؤسسات الفكرية والبحثية، بينها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، إلى جانب إطلاق مشروع المعجم التاريخي للغة العربية، فضلًا عن تأسيس مؤسسة الدوحة للأفلام التي أصبحت داعمًا رئيسيًا لصناعة السينما والمواهب الشابة من خلال مهرجان “أجيال” ومنصة “قمرة”.

وامتد الاهتمام بالثقافة إلى دعم حركة الترجمة عبر إطلاق جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي عام 2015، التي تُعد من أكبر الجوائز العالمية في هذا المجال، وتهدف إلى تعزيز الحوار بين الثقافات والانفتاح على لغات متنوعة من مختلف أنحاء العالم.

وفي مجال الحفاظ على التراث، اختارت الدولة إعادة إحياء سوق واقف التاريخي بعد الحريق الذي تعرض له عام 2003، عبر مشروع ترميم حافظ على الطابع المعماري التقليدي بدل استبداله بالمباني الحديثة، كما شهد مشروع “مشيرب قلب الدوحة” إعادة تطوير وسط العاصمة بروح مستوحاة من العمارة القطرية الأصيلة، فيما تُوجت الجهود بإدراج مدينة الزبارة على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2013 كأول موقع قطري ينال هذا الاعتراف الدولي.

وفي يونيو/حزيران 2013، سلّم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم إلى نجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في انتقال سلس ونادر في المنطقة، بينما استمرت المشاريع التي أطلقها في التطور، بافتتاح مكتبة قطر الوطنية عام 2017 واستكمال متحف قطر الوطني عام 2019، لتواصل المؤسسات التي أسسها أداء دورها في تعزيز مكانة قطر بوصفها مركزًا للمعرفة والثقافة. ويظل إرث الأمير الوالد شاهدًا على رؤية آمنت بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن بناء المستقبل لا يتحقق بالثروة وحدها، بل بالعلم والثقافة والحفاظ على الهوية.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *