يحضر كتاب “الاستشراق الفني والعالم العربي: من المناكفة إلى المثاقفة” للباحث والفنان التشكيلي والخطاط محمد الزبيري بوصفه محاولة فكرية وجمالية لإعادة النظر في واحدة من أكثر القضايا الثقافية والفنية إثارة للجدل داخل الفكر العربي المعاصر، وهي قضية الاستشراق الفني وما ارتبط بها من تمثلات للشرق داخل المخيال الغربي. ومن خلال هذا العمل الصادر عن الأطلس للثقافة والإبداع – منشورات الأطلس – يقدّم المؤلف مقاربة نقدية تتجاوز الأحكام الجاهزة، وتفتح المجال أمام قراءة أكثر اتزانا وعمقا للعلاقة بين الفن والاستشراق والمثاقفة الحضارية.
ينطلق المؤلف من وعي معرفي بأن الاستشراق، في أبعاده الفنية، لم يكن مجرد خطاب بصري بريء، كما أنه لم يكن دائما أداة استعمارية مغلقة، بل شكّل فضاء مركّبا تتداخل فيه الرؤية الجمالية بالرهانات الفكرية والسياسية. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يحاول تفكيك الصور النمطية السائدة حول الاستشراق الفني، بعيدا عن الانفعال الإيديولوجي أو التبسيط النقدي.
في الفصل الأول، يشتغل الزبيري على تأصيل المفهوم، مستعرضا الجذور التاريخية والفكرية للاستشراق، وتحولاته داخل الثقافة الغربية، مع تركيز خاص على تجلياته الفنية والبصرية. ولا يقف المؤلف عند حدود التعريف، بل يسعى إلى الكشف عن الملابسات التي أحاطت بولادة هذا التيار، وكيف أصبح الشرق موضوعا للتخييل الفني ولإعادة الإنتاج الرمزي داخل اللوحة الغربية. كما يضيء التوتر القائم بين نظرة الغرب إلى الشرق بوصفه فضاء للغرابة والسحر، وبين واقع الشرق باعتباره كيانا حضاريا وإنسانيا معقدا.
أما الفصل الثاني، فيمثّل قلب الكتاب النقدي، حيث يتناول فيه المؤلف مفهوم “الاستشراق البصري”، من خلال تحليل تمثلات الفن العربي داخل اللوحة الاستشراقية، والوقوف عند الأبعاد الجمالية والإيديولوجية لهذه التمثلات. ويبرز الزبيري أن الفنان الاستشراقي لم يكن دائما أسير نزعة تشويهية، بل إن بعض الأعمال الاستشراقية استطاعت أن تؤسس لرؤية فنية عالية الحساسية تجاه المعمار العربي، واللباس التقليدي، والطقوس الاجتماعية، والفضاءات الشرقية.

غير أن المؤلف لا يغفل، في المقابل، الإشكالات النقدية الكبرى التي رافقت هذا الفن، خاصة ما يتعلق بتكريس الصور النمطية، وتحويل الشرق إلى موضوع للفرجة البصرية والاستهلاك الرمزي. وتبرز هنا إشكالية تمثيل المرأة العربية باعتبارها إحدى أكثر القضايا حضورا داخل اللوحة الاستشراقية، حيث يكشف الكتاب عن كيفية توظيف الجسد الأنثوي داخل المخيال الغربي بوصفه علامة على الإغراء والغموض والاختلاف الثقافي، وهو ما أسهم في إنتاج صورة تختزل المرأة الشرقية داخل بعد فلكلوري وجمالي ضيق.
وفي الفصل الثالث، ينتقل المؤلف من منطق النقد إلى أفق أكثر انفتاحا، عبر الدعوة إلى “إنصاف الاستشراق”، ليس بمعنى تبرئته أو تمجيده، بل من خلال إعادة قراءته ضمن سياقاته التاريخية والجمالية. ويقترح الزبيري هنا مقاربة تقوم على المثاقفة بدل المناكفة، وعلى فهم الاستشراق باعتباره أيضا لحظة من لحظات التفاعل الحضاري والتبادل الفني بين الشرق والغرب.
ويتميّز الكتاب بكونه لا يكتفي بالتحليل النظري، بل يستثمر أيضا خبرة مؤلفه الفنية والتشكيلية، الأمر الذي يمنح النص حساسية بصرية واضحة، ويجعل من اللوحات المرافقة جزءا عضويا من الخطاب النقدي ذاته. فالصور الفنية داخل الكتاب لا تؤدي وظيفة توضيحية فحسب، بل تتحول إلى نص بصري مواز يثري القراءة ويعمّق التأمل.
إن القيمة الأساسية لهذا العمل تكمن في كونه يسعى إلى تحرير النقاش حول الاستشراق الفني من الثنائية التقليدية القائمة على الإدانة أو التمجيد، ويفتح المجال أمام رؤية أكثر نضجا وإنسانية، ترى في الفن فضاء للحوار والتفاعل والتأويل المتبادل. كما ينجح المؤلف في إعادة طرح سؤال العلاقة بين الشرق والغرب من زاوية جمالية وثقافية، تجعل من المثاقفة أفقا بديلا عن الصراع، ومن الفن جسرا لعبور المعاني والهويات.
وبهذا المعنى، يشكّل كتاب “الاستشراق الفني والعالم العربي: من المناكفة إلى المثاقفة” إضافة نوعية إلى المكتبة النقدية العربية، وعملا يزاوج بين العمق الأكاديمي والرؤية الفنية، في محاولة جادة لإعادة التفكير في تاريخ الصورة وعلاقاتها بالثقافة والهوية والتمثيل.


