الرئيسيةأخبارإطلالات: لماذا لم تعد المدن تشبه ذاكرتنا؟

إطلالات: لماذا لم تعد المدن تشبه ذاكرتنا؟

ما يحدث اليوم داخل كثير من الأحياء السكنية يثير مشاعر متناقضة ومرتبكة:
هل نحن أمام تغيير طبيعي وتطور تفرضه المدن الحديثة، أم أن أحياءنا تعرضت فقط لرجة كبيرة جعلتها تستيقظ على إيقاع مختلف تمامًا عن ذلك الذي اعتادته طويلًا؟

فالأصوات التي كانت تشكل ذاكرة المكان؛ خطوات الجيران، نداءات الباعة، وضجيج الحياة اليومية البسيط، صارت تختلط اليوم بصوت الآليات، وارتجاج الجدران، وغبار التحولات المتسارعة. وكأن المدن، وهي تعيد تشكيل نفسها، أصبحت تتحرك بسرعة أكبر من قدرة الإنسان على الاحتفاظ بألفته القديمة تجاه الأمكنة.

إنه شعور متناقض نفسيًا، ليس لأن الإنسان يرفض التغيير أو يعيش حنينًا ساذجًا إلى الماضي، فالمدن بطبيعتها كائنات حية تتوسع وتتجدد باستمرار. غير أن ما يثير التأمل فعلًا، هو ذلك الإحساس الخفي الذي يتسلل إلى الإنسان حين يبدأ باكتشاف أن الأمكنة التي أحبها طويلًا لم تعد تشبه الصور التي احتفظ بها عنها في ذاكرته.

فمعظم السكان في كثير من الأحياء المغربية اليوم، لا يعيشون فقط تفاصيل التهيئة العمرانية وما تفرضه من ضجيج يومي، بل يعيشون أيضًا نوعًا من الارتباك العاطفي تجاه فضاءات كانوا يعتبرونها جزءًا من ذاكرتهم الشخصية. فالمكان ليس جدرانًا فقط، بل علاقة حميمة تتشكل مع الزمن، ومع التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه إليها إلا حين تختفي.

ولعل هذا ما يجعل التحول العمراني، في بعض لحظاته، أكبر من مجرد تغيير في شكل المدينة؛ إذ يتحول بهدوء إلى سؤال إنساني حول معنى الانتماء نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يواصل التعرف على مدينته، حين تتغير ملامحها بسرعة لا تمنحه الوقت الكافي ليحتفظ بصورتها القديمة داخله؟

ولعل أكثر ما يضاعف هذا الإحساس بالارتباك، هو أن الإنسان لا يفقد فقط صورة المكان التي اعتادها، بل يشعر أحيانًا بأن استقراره نفسه أصبح معلقًا داخل مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم. فالمسكن، بالنسبة لكثير من الأسر، ليس مجرد بناية قابلة للتغيير أو التعويض، بل مساحة يومية تشكلت داخلها تفاصيل الحياة، والعلاقات، والإحساس البسيط بالأمان.

لهذا، تبدو التحولات العمرانية أكثر طمأنينة حين تمنح الإنسان الوقت الكافي ليستوعبها، وحين يشعر السكان بأن الانتقال نحو شكل جديد من المدينة لا يتم على حساب استقرارهم النفسي أو الاجتماعي. فالمدن لا تُبنى بالإسمنت فقط، بل أيضًا بالإحساس الإنساني الذي يجعل الناس قادرين على تقبل التغيير دون خوف أو قلق دائم تجاه المستقبل.

وربما لهذا السبب، لا يبحث كثير من السكان عن رفض التحول أو مقاومة التجديد، بقدر ما يبحثون عن قدر من الطمأنينة يتيح لهم الشعور بأنهم ما يزالون جزءًا من المدينة… لا مجرد عابرين داخل تغيراتها السريعة.

مع تطور المدن وتسارعها نحو التجدد العمراني، تتأثر الذاكرة الشعبية باعتبارها جزءًا حيًا من هذه الأمكنة. فالمكان لا يتحول إلى فضاء نابض بالحياة إلا بفضل الروح الإنسانية التي تسكنه، وحين تُهجَّر هذه الروح أو تُقتلع من تفاصيلها اليومية، تنفصل علاقة خفية وعميقة يتأثر فيها الطرفان معًا: الإنسان والمكان.

ومع كل هذا التحول المتسارع، لا تتغير ملامح الأحياء وحدها، بل تتغير أيضًا العلاقة الإنسانية التي كانت تمنح المكان دفئه الخاص. فالأحياء القديمة، مهما كانت بسيطة، كانت تقوم على نوع من الألفة اليومية التي تجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش داخل فضاء يعرفه ويعرف سكانه.

كانت التفاصيل الصغيرة جزءًا من الحياة العادية: تبادل التحية بين الجيران، معرفة الوجوه المألوفة، المقاهي التي تحفظ أحاديث روادها، والأطفال الذين يكبرون داخل الأزقة نفسها. غير أن التحولات السريعة تجعل كثيرًا من هذه التفاصيل تتراجع شيئًا فشيئًا، وكأن المدينة، وهي تسعى إلى شكلها الجديد، تفقد في الطريق جزءًا من ذاكرتها الإنسانية.

ولعل ما يزيد هذا الإحساس تعقيدًا، أن الإنسان لا يرتبط بالمكان من خلال الجدران فقط، بل من خلال الإيقاع الذي اعتاد أن يعيش داخله. لذلك، قد يشعر أحيانًا بأن الغربة لا تأتي من مغادرة المدينة، بل من بقائه داخلها وهي تتغير بسرعة تفوق قدرته على التكيف العاطفي معها.

وربما لهذا السبب، لا يرتبط تعلق الإنسان بالأحياء القديمة بشكل المباني وحدها، بل بذلك الإحساس العميق الذي تمنحه الأمكنة حين تتحول مع الزمن إلى جزء من الحياة الداخلية لسكانها. فالمدينة ليست مجرد عمران يتغير، بل ذاكرة جماعية تتشكل ببطء عبر السنوات، من خلال العلاقات اليومية، والعادات الصغيرة، والإحساس المتراكم بالألفة والانتماء.

ومع تطور المدن وتسارعها نحو التجدد العمراني، تتأثر الذاكرة الشعبية باعتبارها جزءًا حيًا من هذه الأمكنة. فالمكان لا يتحول إلى فضاء نابض بالحياة إلا بفضل الروح الإنسانية التي تسكنه، وحين تُهجَّر هذه الروح أو تنفصل عن تفاصيلها اليومية، لا يتغير المكان وحده، بل تنشأ مسافة جديدة بين الإنسان والحي الذي كان يعرفه ويشعر أنه يعرفه بدوره.

ومن الطبيعي أن تحتاج المدن إلى التطور وإعادة التهيئة لمواكبة التحولات الحديثة، غير أن الجانب الإنساني يظل عنصرًا أساسيًا في أي تحول عمراني متوازن. السكان لا يبحثون فقط عن شوارع أوسع أو بنايات أحدث، بل يبحثون أيضًا عن الإحساس بالاستقرار، وعن شعور يطمئنهم بأنهم ما يزالون قادرين على التعرف على مدينتهم داخل هذا التغيير المتسارع.

ان التغيير لا يُقاس فقط بسرعة الإنجاز أو بحجم ما يُبنى، بل أيضًا بقدرة الناس على الشعور بأنهم ما يزالون جزءًا من الحكاية، وأن المدينة التي تتجدد لا تبدأ من الصفر، بل تنطلق مما راكمته من حياة وذاكرة وانتماء.لان المدينة التي تنجح في الحفاظ على روحها الإنسانية، حتى وهي تتغير، لا تسقط الإنسان من حساباتها، ولا تجعل التحول يبدو كأنه قطيعة مع ما كان. وهي لا تُبنى على صرخات أو على شعور بالاقتلاع، بل على إحساس جماعي بأن التجدد امتداد للحياة لا انقطاع عنها، وبأن السكان ليسوا مجرد شهود على التغيير، بل مساهمون في صياغة صورته الجديدة.

و المدن، في النهاية، لا تُقاس بما يُهدم فيها أو يُبنى، بل بما تتركه في نفوس الذين يعيشونها. وكل مدينة تنجح في التجدد دون أن تفقد قدرتها على احتضان ذاكرتها، لا تكبر فقط في عمرانها… بل في إنسانيتها أيضًا.

وختاما ، يمكننا الجزم بان أخطر ما يمكن أن يحدث للمدينة ليس أن تتغير… بل أن تكبر إلى درجة لا يعود سكانها قادرين على إيجاد مكان لأنفسهم داخلها. ربما لا نخاف أن تتغير المدن… بل نخاف أن نتوقف عن التعرف على أنفسنا داخلها.لان الإنسان يستطيع أن يتأقلم مع كثير من التغيرات، لكنه يظل بحاجة إلى أن يشعر أن المدينة التي تتجدد لم تنسَ الذين صنعوا ذاكرتها يومًا. المدينة التي تحسن الإصغاء إلى ذاكرتها، هي وحدها القادرة على أن تمضي نحو المستقبل دون أن تترك أحدًا خلفها.أو تقذف به خارج ذاكرة المدن الجديدة أو المتجددة . قد لا تستطيع المدن أن تمنع التغيير، لكنها تستطيع أن تمنح الإنسان الوقت الكافي ليشعر أن ما يفقده اليوم، سيعود إليه غدًا بصورة جديدة لا تلغي ما كان. لأن المدن، مثل البشر، لا يكفي أن تتجدد… بل تحتاج أيضًا إلى أن تحتفظ بقلبها.

فهل يمكن للمدينة أن تتغير دون أن تفقد ذاكرتها؟ أم أن أجمل المدن هي تلك التي تعرف كيف تحمل ماضيها معها وهي تتجه إلى المستقبل؟ لأن المكان لا يعيش بما يُبنى فيه، بل بمن يبقون قادرين على أن يقولوا بعد كل هذا التغير: هنا ما زال شيء مني.

اذن ،وحدها المدن التي تعيد بناء الحجر دون أن تهدم الإنسان، تستحق أن تُسمى مدنًا للمستقبل.

الدكتورة نزهة الماموني

الدكتورة نزهة الماموني
الدكتورة نزهة الماموني

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *