في ربيع عام 2026، ومع مرور 38 يوماً على الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران وبدء هدنة مؤقتة، تحولت شوارع طهران إلى فضاء بصري مكثف يعيد تشكيل الحدث ضمن لغة الصورة. ففي الأيام التي أعقبت 28 فبراير/شباط، تاريخ الضربة الأولى، بدأت الجداريات الجديدة بالانتشار، حاملة قراءة بصرية للحرب تتجاوز التوثيق المباشر نحو بناء سردية متكاملة عن القوة والذاكرة.
هذا التحول يندرج ضمن تقليد بصري ممتد منذ ثورة 1979، حين أصبحت الصورة في الفضاء العام أداة لترسيخ الخطاب الأيديولوجي. غير أن اللحظة الراهنة أضافت وظيفة جديدة لهذا الفن الجداري، حيث امتزجت الرموز العسكرية بتكوينات رمزية مركبة تعيد تنظيم الوقائع في مشاهد ثابتة ذات دلالات سياسية وتاريخية.
تُظهر إحدى الجداريات حاملة طائرات مثقلة بتوابيت ملفوفة بالأعلام الأميركية، تحيط بها زوارق إيرانية ومروحية عسكرية. ويتقاطع هذا المشهد مع سياق التوتر في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالمياً، ما يمنح البحر موقعاً مركزياً في التعبير عن توازنات القوة، ويحوّله إلى عنصر بصري يعكس صراع النفوذ البحري.
وفي جداريات أخرى، تتجسد الأجساد داخل شبكات رمزية معقدة؛ إذ يظهر رجل رافعاً ذراعيه الملفوفتين بالعلم الإيراني، مشكلة بيديه هيئة قلب، في تداخل بين التعبير العاطفي والانتماء الجماعي. ويمتد العلم عبر الجدران ليتوسطه شكل زهرة توليب على هيئة صاروخ، في تركيب يجمع بين رمزية الشهادة ودلالات القوة العسكرية، ضمن بنية واحدة تمزج بين الديني والتقني.
كما يمتد هذا البناء إلى تمثيل الزمن السياسي، حيث تُرسم سلاسل قيادة تبدأ من روح الله الخميني، مروراً بعلي خامنئي، الذي تشير بعض الجداريات إلى اغتياله في 28 فبراير/شباط 2026، وصولاً إلى مجتبى خامنئي. وبهذا التسلسل، يعاد تشكيل التاريخ بصرياً في إطار واحد يدمج الذاكرة بالحاضر ويؤسس لفكرة الاستمرارية السياسية.
وتحضر التكنولوجيا العسكرية بقوة في هذا المشهد، من خلال صور الطائرات المسيّرة ومشاهد إطلاق الصواريخ، التي تتداخل مع رموز تقليدية لتنتج لغة بصرية تجمع بين الحداثة التقنية والبنية الرمزية، حيث تتحول الآلة إلى علامة دلالية داخل الهوية البصرية للحظة الراهنة.
وفي محيط السفارة الأميركية السابقة، المعروفة باسم “وكر الجواسيس”، تستمر الجداريات في إنتاج خطابها البصري عبر إعادة تشكيل رموز مألوفة، مثل تمثال الحرية المتصدع وإعادة تركيب العلم الأميركي في صور تحيل إلى الموت، في استحضار بصري لتاريخ طويل من التوتر السياسي.
وتكشف هذه الجداريات أن المدينة دخلت مرحلة جديدة من “الكتابة البصرية”، حيث يتحول الجدار إلى وسيط سردي يوثق الزمن السياسي بأحداثه وتفاصيله. داخل هذا الأرشيف المفتوح، تعاد صياغة الحرب بصرياً، وتُثبت الوقائع في الذاكرة عبر اللون والخط، في محاولة مستمرة لإنتاج معنى يتجاوز اللحظة نحو أثر طويل الأمد.
طنجة الأدبية

