الصّحراءُ أكبرُ من حُلم في عزّ الظّهيرَة
وأصغرُ من جُرم صغير في قصيدَة،
في الصّحراء يعجزُ اللسانُ عن الكَلام
تهربُ منك الأبجَديّة وقاموسُ الكلمات
وتغيّرُ اللغة من شكلها ونَحوها،
في بعض الجهات المَنسيّة.
أمام اتّساع مسَاحة الرّمال في الصّحراء،
يتضَاءلُ جسمُك أمًام فتنَة البَحر
وغواية الصّحرَاء
ويُصبح أصغر من حَجم نَملة.
أنتَ الآن غيمَة حافية تعبرُ السّماء
وحيدٌ مُشظّى في أسطورة يونانية قديمَة
من أقصَاك إلى أدنَاك..
شاردٌ على الأرصفة أحصي قوافل الغَيم
أسترجعُ خطايَا الطفولة وأوزارَها
واقفٌ أمَام بياض الاصفرَار
أحاول الهرَب من نفسي إلى التّلاشي،
ومِنّي إليَ في تَغريبَتي
وأنا بين حائرٌ بين الشكّ واليقين،
مثل أنشودَة ناي حَزين.
وأنا في الصّحراء
كثيرًا ما تعبت عينيَّ من رُؤية الأشياء
أعياني النّظر في اغترابِ اللحظة،
حتّى أنّني نسيتُ من دَهشة البَحر
أقدامي على الرّصيف،
وانصرفتُ أفكر في اغترابي الأخير.
الصحراءُ مدى مفتوحٌ على ظلمة عَمياء
وأنت في الصّحراء، تحتارُ في أمرك
تساءلُ في ذُهول:
هل زُرقة البَحر أصغرُ؟
أم صُفرًةُ الصّحراء أكبر؟
يوقظك انتصارٌ منسيٌّ في حُطام الطرقات
طلقاتُ بارود في نشوة رَماد جَمر قديم
أنت الآن وَحدك
واقفٌ في الصّحراء على الرّصيف
أمامَك مياهٌ أطلسيّة زَرقاء
ورَاءك رمالٌ إفريقية صَفرَاء
ودويُّ الرّيح مُجرّد فوضى وخوَاء
اختر فوضاك كمَا تشتهي أن تكون
رَتّب وَصاياكَ على هوَاك
واطلب أن يَسلم عقلك من حَماقة الأشياء.
وأنت في قلب الصّحراء،
لا ترى سوى طيفك
وهو يُراودك عن نفسك
وقليلا من تباريح الظلال.
ستتذكّر حينئذ نسبيّة الأشياء
وتتفكّر ما نسيتَه من أيّام زمَانك
لا مكانَ في آخر العُمر للألوَان الرّمَادية
في بهجَة الجَمر بالصّحرَاء،
تُنسى كأنّك لم تكتب يومًا رسَائل بالمِدَاد الحَارق
تَنسى أحلامَك المُشاكسَة في مَحطات كثيرة
وتنسى من أي جهَة يَصعَدُ قرصُ الشّمس إلى السّماء
الطرقُ في الصّحراء ضياعٌ مُطلق
وظلمات الكون الطويلة
هناك صمتٌ وجنازَات المُفرَدات
في الصّحراء شهواتٌ جارحَة،
حروفُ كلمات منقوشَة في ذاكرَة العِشق
وأسماءُ أبطالٍ مُبهمَةُ البداية والمَشيئَة
صُفرة الشّمس في الصّحراء حقيقة مُطلقة
تحرّك الكثبان الرّملية نوع من الحُمق
والرّمال دُموعٌ من زُجَاج
تنزلقُ بطيئات من العُيون كلّ صَباح.
وأنت تتدحرجُ في صَمتٍ نحوَ الجَنوب،
تصمتُ بعضُ الأصوَات عن الغناء
وتصدحُ قصائدُ باقي الشُّعرَاء.
الظلال في سماء الصّحراء أكثر بياضًا
السُّحب كثيرة وقاتمةٌ في علياء السّماء،
ولكن من دون أيّ قطرَة ماء.
الغيومُ تبدُو في مشيتها نحوَ المَغيب
كما لو أنّها مُجرّد خِرفان صغيرَة،
لا وقت في الصحراء للغناء
يُسمع فيها الصراخ بلا حَصر والأنِين
ونباحًا عسكريًّا شرقيًّا يَملأ الخوَاء
تنسابُ أحلامك في رَغوة بيضَاء
ها أنت الآن في الصّحراء وحدك
مُجرّدُ ظلّ تائهٍ لا أنيسَ حَولك
في الصّحراء، البحر أمَامك
في الصّحراء، الأرضُ تحت قدَميك
في الصّحراء، السّماء فوق رأسك
الصّحراء جغرافيةٌ أخرى،
سماءٌ وغيومٌ أخرى
في الصحراء، كم أنت وَحدك
لا تهربُ منك، إلا لكي تعود ثانية إليك
لا مكان للظلال فوق رأسك
تتلوّن في اتساع الصّحراء دماءُ الشّهدَاء
وتكثرُ وصَايا الأولياء
ومع ذلك، لازال الحُب فيها مُمكنًا
الصّحراء إفكٌ شرقيٌّ في المسَاء
الصّحراءُ حُمرَة في أفق السّماء
الصّحراء أنهارٌ من العَطش
وسرابٌ يحسبُه الظمآنُ ماء…!!


