الفلسفة التي نجحت الحروب الدولية في تأكيدها هي كالتالي:
ليس أخطر على الأوطان من الفساد حين يشيخ، بل حين ينجح في إعادة إنتاج نفسه بوجوه جديدة، دون أن يغيّر منطقه أو آلياته. عندها، لا يعود الشباب طاقة تغيير، بل يتحولون إلى واجهة محسوبة، تُعرض بعناية في المشهد العام، بينما تستمر مراكز القرار الحقيقية في العمل بالعقل ذاته الذي أنتج الأزمة ..
في لحظة تاريخية يتصاعد فيها سباق التسلح في المنطقة، يبدو هذا التناقض أكثر حدّة ووضوحًا. دول تنفق بسخاء على شراء أدوات القوة، بينما تُهمّش ــ بشكل مباشر أو غير مباشرــ أهم مصادرها: الإنسان. وكأن معادلة الأمن اختُزلت في ما يُستورد، لا في ما يُبنى.
سباق السلاح… وحدود القوة المستوردة: ماذا نربح منه، والتجربة أمامنا دوليا:
ليس من الخطأ أن تسعى الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، فالأمن ضرورة. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول التسلح إلى بديل عن بناء القوة الشاملة. فالدول التي تعتمد على استيراد السلاح دون امتلاك المعرفة المرتبطة به، تظل ضمن حدود مرسومة لها سلفًا:
- لا تتحكم في تطوير ما تملك .
- ولا تضمن استقلال قرارها الاستراتيجي .
- وتبقى رهينة لمعادلات دولية لا تصنعها .
في المقابل، نرى نماذج عالمية تستثمر في العقول قبل الأدوات، فتجذب الكفاءات، وتبني الجامعات، وتموّل البحث العلمي، وتحوّل المعرفة إلى قوة إنتاجية. الفرق هنا ليس في الإمكانيات فقط، بل في فهم معنى القوة ..
من التمكين إلى “الواجهة”: حين يصبح الشباب أداة تجميل : وهي صناعة سياسية فاسدة تنخر المجتمعات العربية :
في الخطاب الرسمي، يحتل “تمكين الشباب” موقعًا مركزيًا. لكن على مستوى الممارسة، يظهر نمط مختلف يمكن وصفه بـ“التمكين الشكلي”. حيث يتم::
- إبراز نماذج شبابية محدودة في الإعلام والمؤسسات .
- تقديمها كدليل على الانفتاح والتجديد .
- دون منحها سلطة حقيقية في اتخاذ القرار.
في هذا السياق، يتحول بعض الشباب إلى واجهات لشيخوخة الفساد ،لا يغيّرونها بل يخفونها. ويتم اختيارهم وفق معايير الانسجام والقبول، لا الكفاءة والاستقلال. أما الشباب المجدّ، النقدي، القادر على الإضافة، فيجد نفسه خارج هذه الدوائر، لأن وجوده يهدد التوازن القائم. وهنا تكمن المفارقة: يُحتفى بالشباب كصورة… ويُقصى كقوة.
الإقصاء الصامت ونزيف الكفاءات
حين تُغلق المسارات أمام الكفاءة، لا تختفي… بل تهاجر.
الهجرة في هذا السياق ليست مجرد انتقال جغرافي، بل نتيجة بنيوية لخلل عميق في البيئة المحلية. فالكفاءات لا تبحث فقط عن دخل أعلى، بل عن:
- تقدير مهني حقيقي .
- بيئة تسمح بالإبداع .
- نظام يكافئ الجهد لا العلاقات .
وحين لا تجد ذلك، فإن خروجها يصبح خيارًا عقلانيًا.لكن الأثر هنا يتجاوز الأفراد ليتحول إلى :
- خسارة تراكم معرفي .
- إضعاف القدرة على الابتكار.
- تعميق التبعية للخارج .
وفي مفارقة لافتة، بينما تخسر بعض الدول عقولها، تستثمر دول أخرى في استقطابها، وتبني بها تفوقها العلمي والتكنولوجي ..
الشباب بين الإحباط وإعادة تعريف الأمل
الفئة الشابة، التي تمثل الكتلة الديموغرافية الأكبر، تجد نفسها أمام مفترق طرق صعب:
- إما الاندماج في واقع لا يعكس طموحها .
- أو الهجرة بحثًا عن فرصة .
- أو البقاء في حالة من التعليق بين الممكن والمستحيل .
وحين يغيب الأفق، لا يكون الإحباط حالة فردية، بل يتحول إلى ظاهرة اجتماعية. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن المجتمعات لا تنهار فقط بالفقر، بل بفقدان المعنى ….
في معنى القوة ؟؟؟؟ : قراءة في التوجيه القرآني
يقول الله تعالى:
“وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم ۚ وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ” (سورة الأنفال، الآية 60).
هذه الآية تؤسس لمفهوم مركب للقوة، يتجاوز الفهم الضيق المرتبط بالسلاح. فـ“ما استطعتم” تعني توظيف كل الإمكانات المتاحة، وفي مقدمتها ::
- المعرفة العلمية .
- الكفاءة البشرية .
- التنظيم المؤسسي .
- الاقتصاد المنتج .
وعليه، فإن إقصاء الشباب وتهميش الكفاءات لا يمثل فقط خللًا إداريًا، بل تناقضًا مع جوهر هذا التوجيه.
اختلال الأولويات: حين يُستبدل البناء بالاستعراض
تتجلى الأزمة في ترتيب الأولويات:
- إنفاق مرتفع على الدفاع مقابل استثمار محدود في البحث العلمي .
- خطاب احتفالي بالشباب مقابل إقصاء فعلي لهم .
- اعتماد على الخارج في التكنولوجيا مقابل ضعف الإنتاج المحلي .
هذا الاختلال لا ينتج قوة، بل هشاشة مؤجلة.
نحو استعادة المعنى: من الواجهة إلى الفاعلية
إن تجاوز هذا الواقع لا يكون بالشعارات، بل بإعادة تعريف جذرية لمفهوم التمكين والقوة، تقوم على:
- تحويل الشباب من واجهة إلى شريك حقيقي .
- بناء مؤسسات تقوم على الكفاءة والشفافية ، وليس على العلاقات والولاءات بأنواعها
- الاستثمار الجاد في التعليم والبحث .
- خلق بيئة تحتضن النقد بدل أن تخشاه ،وهي بيئة تنتعش فيها الصحافة الحرة النزيهة التي ليست لها أقلام للبيع والشراء ضد مصلحة الوطن .
- فالقوة لا تُستورد… بل تُبنى ، ولا تُقاس بما تملكه الدول من سلاح، بل بما تملكه من عقول قادرة على إنتاجه وتطويره.
ختاما :
لا بد من تأكيد حقيقة مؤلمة لكنها ضرورية وهي أن الأوطان حين تتحول إلى مساحات عرض، يفقد فيها الشباب دورهم الحقيقي، فإن الأزمة لا تكون في جيل، بل في نموذج كامل. نموذج يراكم الأدوات ويهمل الإنسان، ويبحث عن الهيبة في الخارج بينما يضعف في الداخل. والتاريخ لا يرحم هذا النوع من الاختلال ، لأن الأمم التي تُقصي عقولها، لا تُهزم من الخارج فقط… بل تبدأ خسارتها من الداخل.
وحدها المجتمعات التي تعيد الاعتبار للإنسان، وتمنح شبابها مكانهم الطبيعي في البناء، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والتهديدات إلى دوافع للنهوض.
أما غير ذلك… فسيظل يدور في حلقة مفرغة:
سباق في التسلح…
وجمود في التفكير…
وشباب يُصفق لهم في الواجهة، بينما يُقصون من صناعة المستقبل.
ليست المشكلة في غياب العقول…
فالأوطان لا تعاني نقصًا في من يفكّر،
بل في من يسمح للفكر أن يعمل.
فالعقل هبة…
أما العقلية فاختيار.
وقد تملك الأوطان أعظم العقول،
لكنها تظل عاجزة…
حين تُدار بعقلية تخاف من السؤال،
وتخشى التغيير،
وتُقصي كل من لا يشبهها.
وهنا… لا يُقصى الشباب لأنهم أقل كفاءة،
بل لأنهم أكثر حياة.” ومع إقصاء الكفاءات الحقيقية والاحتفاظ بالولاءات ،يموت كل شيء وتظل حقيقة واحدة : “حين تُدار الأوطان بعقلية الشيخوخة… يصبح المستقبل مهاجرًا.”

الدكتورة نزهة الماموني

