الرئيسيةأخبارعمر الجدلي يقدم قراءة رمزية لسلطة القايد في “قايد الواد”

عمر الجدلي يقدم قراءة رمزية لسلطة القايد في “قايد الواد”

مسرحية قايد الواد لعمر الجدلي

يستعيد الفنان المغربي عمر الجدلي أجواء بداية خمسينيات القرن الماضي وما قبلها، حين كان بعض قُوّاد القبائل يمارسون سلطة مطلقة تُخضع الأفراد لإرادتهم، في قراءة مسرحية تعيد مساءلة العلاقة بين الفرد والسلطة، وتضع التاريخ في مواجهة لحظة وعي أخلاقي تتشكل داخل شخصيات مأزومة ومعقدة.

في عمله المسرحي قايد الواد، الذي يواصل جولته بعدد من المدن المغربية وصولاً إلى بني ملال، يختار الجدلي أن يجعل من الحب طاقة مقاومة قادرة على خلخلة جبروت القرار واستعادة الكرامة الإنسانية. ويقدم الفضاء الصوفي ممثلاً في “الزاوية” باعتباره ملاذاً روحياً واحتمالاً للحرية، في مقابل القلعة/القصر كرمز للقهر والهيمنة، لتتحول حركة الشخصيات بين هذين الفضاءين إلى تعبير جمالي عن صراع نفسي واجتماعي عميق.

تتصدر العرض شخصية “بوعلام”، القايد المتسلط الذي يتعامل مع محيطه باعتباره ملكاً خاصاً، مسخّراً الخوف أداة لإخضاع الجميع. حضوره الأول على الركح يكشف عن سطوة تمتد على المكان والزمان، وسعي محموم إلى وأد أي بادرة تحرر، بما في ذلك محاولة التخلص من “سلام”، الذي يجسد وفاءً صادقاً وحباً عصياً على الانكسار، مردداً أن “المحبة ثابتة وزريعة الوفا نابتة” حتى في ذروة القهر.

في الجهة المقابلة، تبرز “يامنة” الهاربة من قبضة القايد، باحثة عن عدالة مفقودة وحماية محتملة، سواء داخل الزاوية أو أمام أسوار القلعة. تعيش صراعاً داخلياً بين غريزة البقاء والرغبة في استعادة الكرامة، فيما تتجاوز علاقتها بسلاّم بعدها العاطفي لتغدو موقفاً أخلاقياً ومقاومة صريحة للسلطة الغاشمة. وحين يعود سلاّم بعد عقد من الزمن في هيئة “مبروك”، تتحول النظرات والهمسات بينهما إلى إشارات رمزية لصمود الهوية الإنسانية في وجه الاستبداد.

ويتقاطع هذا المسار مع شخصية “معروف”، الشاب الأحدب الذي يحمل إرثاً من الألم بعدما قضى عشرين عاماً قسراً في “المطمورة” تحت الأرض. يمثل معروف ذاكرة مكبوتة وثقلاً إنسانياً مثقلاً بالمرارة، وفي صراعه مع القايد، والده، تتفجر أسئلة الانتقام وحدود العاطفة، ليغدو جسراً بين ماضٍ مثخن بالجراح وأفق حرية ممكن.

ويمنح الحوار العمل عمقه الرمزي، خاصة عبر شخصية الشيخ التي يؤديها عبد الرحيم المنياري، فيما تشكل موسيقى العرض التراثية، المرتكزة على “العيطة” بتوزيع مصطفى جرويح، امتداداً وجدانياً للفضاء النفسي للشخصيات. وتتكامل الإضاءة التي صممها أنس فييتح مع تقنيات “المابينغ” لرصد التحولات الداخلية، بينما تضيف المؤثرات الصوتية لعبد اللطيف رداجي طبقة دلالية تعزز البعد الرمزي والجمالي لهذا العمل المسرحي.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *