الرئيسيةالأولىتجليات الغياب والحضور في ديوان” مهموس رخو من أقصى الشعر”-مقاربة سيميائية*

تجليات الغياب والحضور في ديوان” مهموس رخو من أقصى الشعر”-مقاربة سيميائية*

“ما أن يولد النص حتى يصبح، دفعة واحدة، متعدد اللغات، لا وجود، بالنسبة لقاموس النص، للغة مدخلية ولا للغة مخرجية، مادام النص يستمد من القاموس بنيته اللانهائية،
وليس سلطة التعريف(المغلقة).
رولان بارت ،S/Z،ترجمة محمد البكري،دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت،2016. ص173.

في دراستها لجدل الحضور والغياب في الشعر الفرنسي ترى ترى ماريا لتزاردكي،(1) أن ال-أكون-هنا être-la وال-أل-أكون-مع être-avec ثنائيتان وجوديتان مضادتين للشعر، لأن” الحرمان معادل لولادة الشعر، و الشعر هو جنس الحرمان، ذلك أن وجود الشعر يرتبط ارتباطا حميميا بالغياب بشكل يجعل من الصعوبة بمكان رصد مظاهره المتنوعة في الشعر، ومن تم يمكننا رسم نمذجة لتجليات الغياب في الشعر الحديث من خلال بعض مظاهره، أولا قد يكون الغياب ماديا فيزيقيا، بحكم ان الشعر الغنائي ومنذ ولادته الاسطورية يرتبط بالغياب، الغياب المادي والاختفاء النهائي بسبب الموت ، وكثيرة هي النصوص في تاريخ الادب العربي التي ترثي غياب الانا-الذات (قصيدة مالك بن الريب المشهور) او الاخر وما يتركه غيابه من نذوب نفسية وحنين يتأَسطر بواسطة القول الشعري( مرثية ابن الرومي وقبله بزمن قصائد الخنساء في رثاء اخيها صخر)، وقد يكون هذا الغياب المادي الفيزيقي ناجم عن بعد ظرفي للكائن المرغوب فيه الذي يرتبط به الذات الشاعرة،، يتحول هذا الغياب المادي الفيزيقي الى محرك أساس للقول الشعري. إذ يحدد الافتقاد، والفراغ، والمسافة، في ارتباط بشغف واقعي او مصطنع ، تجربة يتم تأكيدها بواسطة معجم النفي لا-أكون و لا-أملك. وقد يكون الغياب تعبير عن غياب مثال idéal أو مبدأ وجودي لتتحول الذات الشاعرة إلى راو جمعي تفوضه الجماعة ليقول المثال الذي تصبو الى تحقيقه و يتحول الشعر الى وساطة تعبير و اعلان جمعية.
يمثل الشعر في هذه الحال شكل السلب ونقص يعاني منه الناس، وغياب خير مشترك بين او مثال أو مبدأ حيوي. وفي هذه الحال فان التأكيد الشعري يخرج من إطار الوهم والحلم، ليلج الملاحظة والوعي و والمطالبة والاحتجاج وينجح الغياب موضوع الشعر بواسطة معجم وتقنيات الشعر في أن يفرض و نحس به بشكل جيد. وبالتالي لاتصبح وظيفة الشعر مقتصرة على ملأ الفراغ واختزال المسافة بين الحضور والغياب ولكن جعل الإحساس بالغياب اكثر عمقا واكثر حدة، لتطالب بذلك الذات الشاعرة إلى فعل ورد فعل -الوظيفة التحريضية-. ويمنحنا الشعر الاجتماعي وشعر المناسبات امثلة واضحة على هذا النوع من الغياب في الشعر، وينضاف غياب الالهام إلى هذه الغيابات.
نصل إلى اهم غياب في الشعر الحديث، إنه غياب الكلمةabscence des mots ، ففي الشعر الحديث والمنذور لاكتشاف فضاءات جديدة للأنا والعالم، يمكننا الكشف عن مظهر آخر عميق للغياب يكتسي أهمية قصوى في إنتاج النصوص الشعرية، وإذ يحول الشعر غالبية المعطيات والبديهيات التقليدية ويديم مجالات اهتمامه، فإنه يستعمل كلمات اللغة التي، وباستخدامها من طرف الانا الشاعرة للوعي بالعالم و تأكيده، تقف عقبة كأداء بين الذات والعالم، مقيمة بذلك مسافة تختزل التواصل والمعنى الذ ي يتعين عليها التعبير عنهما، وبالتالي فإن صعوبة بله استحالة التعبير تعمق الإحساس بالنقص ليس فقط على مستوى الالهام ولكنه نقص وحرمان يمتد صوب كلمات اللغة القادرة على قول كلية الاحاسيس، وبالتالي فإن فضل الشعر المعاصر يتحدد من خلال البحث الثلاثي في علاقته باللغة والعالم والاخرين، بحث يقترح تصورا آخر للغياب الذي يسعى الشعر الى ترجمته.
إن الذات الشاعرة المحرومة من العلاقات الحميمية مع الآخر والعالم وكل ما له أهمية قصوى في العالم والمحرومة أيضا من وسائل التعبير، تحس انها تسقط في حبائل الكلمات، و إذ ترغب في شعرنة poétisation وجودها فإنها تخوض تجربة الصراع والمواجهة، والانرياح واختلاق مسافة لا يمكن اختزالها،واذ يعتبر الشاعر غائبا عن العالم او ما يزال حاضرا في عالم مأهول بالغيابات فإنه يسعى للبحث عن ذاته باعتباره كائنا في العالم، أو يسعى الى تأسيس فضاء وزمان الامتلاء لملأ الواقع الذي نعيشه كفراغ بعد أن تركته الحقائق الجوهرية، وفي اللحظة الي يقول فيها الكلام النقص الجوهري ، نقص في التواصل مع الاخر الذي نحس به في عالمنا المعاصر الذي هو عصر التواصل/الاتصال السريع وانتفاء الحدود و الفضائية بين بلدان العالم، إذ يتحول صوت الشاعر الى صوت نكرة يبدع شعرا ” يقاضي الغياب”، لذا تسعى التجربة الشعرية الى ان تكون محل إقامة التواصل مع غيرية مغيبة و غائبة و تأكيد قرابة الكائنات والاشياء في عالم يتم القبض عليه بواسطة الكلمات، التي خفضت ، إن لم تكن محت الفارق بين العلامات والمعنى، لقول الحضور.
1-كتابة الغياب والحضور في دويان مهموس رخو من أقصى الشعر
يتأسس الحضور والغياب في ديوان “مهموس رخو من أقصى الشعر”(2)على محور الغياب والحضور الذي يتحول الى محور دلالي، بينة عميقة تؤثث في العمق تجليات هذه الحضور على مستوى بينة السطح. لنحاول ان نضبط التجليات العميقة لهذه البينة في الديوان.لا يمكن فهم الحضور الا في علاقته بالغياب، للمرور من الغياب الى الحضور يقتضي الامر نفي الغياب للاتصال بالحضور، أي أن الغياب يتحول الى لا غياب للمرور الى الحضور والعكس صحيح فإن اثبات الغياب الحقيقي يقتضي نفي الحضور، اللاحضور، نحو الغياب. والحال أن عملية نفي الغياب والحضور في آن واحد كما سبق ذكره يرتبط بعملية الانفصال والاتصال بالحضور والعكس صحيح، في الحالة الأولى يرتبط نفي الغياب بعملية اتصال الذات الشاعرة بالغياب أي انها ذات مغيبة في الزمان والمكان، ذات عليها ان ترهن وتحقق كشكل المعنى المشترك الذي يتوجب عليها تحقيقه في علاقتها بالآخر والعالم أي انها ذات تسعى الى نفي حالة الاغتراب والاستلاب التي تخضع لها كانسان-شكل في خطاب يحدد لها قبليا صيغ وجودها، وتلعب الدور الذي يجب عليها ان تلعبه كأنثى في محتمع أبيسي، اما العملية الثانية التي تسعى من خلالها الذات الشاعرة تحقيق حضورها فتتمثل في هذه العملية العميقة التي لا يستطيع سوى الشعر تحقيقها، وهي حالة تتمثل في نفي حضور الذات الشاعرة في الوجود ، نفي الوجود المفروض وتزمينه وتفضئته في الوجود، أي إعادة خلق الزمن والمكان يتماشى ووضع الانا ككائن-هنا في الزمن والعالم. اللجوء الى الغياب لإثبات الحضور الحقيقي. المشكل يكمن في ان نفي الغياب لا ثباث الحضور والعكس صحيح يرتبط بسؤال “الزمن والكينونة”.
ولإثبات الغياب داخل الحضور يتوجب السفر نحو عوالم النقاء اللغوي، و البحث عن قول شعري أكثر امتلاء بالمعنى وقادر على قول الحقائق الإنسانية التي تؤمن بها الشاعرة، ومواجهة الصمت الذي يتهدد بالتصوف والتفرد والانعزال، والصمت هنا، وكما يتواثر ذكره في الديوان” تعبير كلي عن غياب كلي للذات، الكتابة سعي للوصول الى الصمت و والتنشي بموسيقى اللغة واقتلاع الصمت من إيقاع إغماءات syncope اللغة وضع يذكرنا بقول ادونيس عندما يقول
قال لي تاريخي الغارس في الرفض جذوره
كلما غبت عن العالم ادركت حضوره(3)
-1-تجليات الحضور والغياب-بينة السطح.
لكن تحقيق المرور من حالة الحضور الى حالة غياب واستحضار الذات الحقيقية في عالم القصيدة والمتخيل يمر أولا عبر تأسيس مَعْجَمَة الحضور والغياب، أي ابتكار معجم الذات، لغة الذات الفردية في العالم المتخيل ، الوعي الممكن ، الذي تصطنعه لنفسها، كما أنها معجمة –معجم ذاتي- يجعل عملية استعمال محور الانتقاء والاختيار الذي تكلم عنه جاكبصون- يخضع لعملية استثمار ذاتي حر، لأن الذات بمعجمها الذاتي هذا تسمي الأشياء بمسمياتها لصوغ حضورها الحقيقي المغيب، والحال ان كتابة الحضور والعياب في ديوان “مهموس…” تعبير، مادام ان الامر هنا في هذا المقام يتعلق ،بأول خطوة في سفر الكتابة الشعرية، بانا-هنا-اكتب-الان، كتابة تختط نسقها القيمي والجمالي من رؤية للعالم تعبر عن الذات قبل ان تبدأ فعل الكتابة، إنها كتابة الحضور التي ، كما تقول ذ. للامالكة العلوي، تتحكم فيها إرادة الشعور بالانا، من حيث هي النحن و(شريك العمر)، هي كتابة البوح التي تكتب لغتها الذاتية عبر “جغرافية الحرف ومباهجه، محتمية بقاموس ليس قريبا من فهوم العارفين” للبحث عن هوية شعرية”.(مقدمة الديوان ص10).
و الحال ان هذه المعجمة تبتدأ بمسار البحث عن الاخر المرغوب فيه والذي بالاتصال به يتحقق صفاء اللغة، ويتجلى في نص فكر بي دعوة لهذا الاخر للسمو بالعلاقة إلى سدرة المطلق هناك حيث تلتحم الانا والأخر في الزمان والمكان، لكن هذا الحلول الصوفي المنشود بين الانا والانت يمر عبر دعوة لتجاوز فتنة الحاضر والشروع في رسم وحدة مبنية على اليقين المطلق خارج المتعارف عليه، تقول الشاعرة في قصيدة”فكر بي”
فكر بي فقط
لا تغاذر
كن رحيما..لاتغادر
لم يكن لي امل كي احيا…بدون إيقاعك
عزلتك القديمة/ ناظرة البوح في عز الشتاء
فكر بي…
ترتسم في هذا النص دعوة تجاوز المألوف لبناء علاقة على انقاض العلائق المكرسة والمألوفة المبينة على حضور قيم زائفة تشكل حضورنا القبلي، الدعوة هنا دعوة لتتحول الانا إلى مركز التفكير والاهتمام، لكن لماذا دعوة الاخر للتفكير في الانا؟. هذا سؤال يصب في جواب يجعل من دعوة الاخر تتحول الى مركز التفكير والسعي إلى تأنيث العالم عبر الحوار والحكي تماما كما تفعل شهرزاد في الف ليلة وليلة، لكن ومرة أخرى لتفكيك قصدية هذه الدعوة تعين علينا طرق باب التحليل المعجمي، للوقوف على ان الأفعال الواردة في هذا المقطع الشعري حمالة لشفرات تعبر قول الشاعرة، أول هذه الشفرات “فكر”،إعمال العقل للوصول الى نتيجة أو حل أو قرار، وهو أيضا إعمال العقل بالمعلوم للوصول الى المجهول، الدعوة أيضا دعوة لانتشال الذات من مستنقع الغياب، لكنها دعوة أيضا للصمود وهو ما يترجمه فعل “لاتغاذر”، يغادر ترك المكان، وهو ترجمة لنهاية حالة تعبر عن أن الذي يغادر المكان أنهى فعلا ما، وفي هذه الحال فالحوار الذي تدشنه الذات مع الاخر فيه دعوة للبقاء لاغير، ومما يثير الانتباه في توظيف فعل “لا تغادر” أنه يحيل إلى حالة وجودية يصعب التحرك فيها، وهو ما يدل عليه الاشتقاق اللغوي لفعل غادر، الغَدَر ٌ وهو كل موضع صعب كبير الحجارة والشقوق لا تكاد الدابة تسير عليه، وتبقى قدما الانا مشربكتين في وحل العزلة، بحكم أنه مغادرة الآخر-المخاطب تتحول الى غدر وهو الوحل،كما ان المغادرة ، وفيما إذا تحققت، ستترك الانا وحيدة يظل حضورها الحقيقي منفيا، و خوفا من رحلة الاخر و تعمق جراح الوحدة تبتهل الانا الى الاخر لتطالبه أن يكون رحيما ولايغادر. فبدون إيقاع هذا الاخر المنسوجة صورته في متخيل الذات ليبقى الأمل في الحياة مستحيلا.
هل هي دعوة الانثى للذكر أن تحقق الحضور وانتفاء الغياب لا يمكن أن يتم بمعزل عن الاخر/الذكر؟ ام ان الكتابة ضد مجتمع مشبع بقيم الذكورة لا يمكن ان يتم الا بتدشين حوار مع بينة هذا المجتمع وتأسيس علاقة بين الرجل والمرأة مبنية على الانصات إلى نبض الذات وهي تتكلم من داخل لغة ذكورية ترفض ان تساهم الانا- الأنثى في تأنيثها عبر الحوار. إن الاخر هنا مفرد بصيغة الجمع؟. إن استخدام ضمير الأنا –الضمير الأول ،ضمير المتكلم، يعني كما يرى عبدالله الغدامي ان المرأة قد صارت ذاتا وصارت متكلمة ، ويعني حينئذ تأنيث اول ضمائر اللغة، وهذا حرج ضخم لا يمكن تمثله في طل خطاب الخوف الادبي(4).
لا يقتصر الامر في هذا المقطع على تأنيث المكان بل يمتد خطاب الانا الى تأنيث الزمن عبر اختراع اللحظة التي نحن العرب محرومون منها. إنها دعوة الاخر ليتشكل في خطاب الذات-الانا كما تريد ان تراه، دعوة أيضا لتعميق حضوره مع الانا المغيبة بالسمو الى تفكير الانا ورَمْنَسَة لحظاتها.
اخترع لحظة صغيرة تناسبني…
شرفة لورد أغازله
جسدا لظلال تتخفى وتومض في عراء الحزن
إنها دعوة لاجتراح لحظة التوحد الصوفي هناك تتألق اللحظة و”تشرق الشمس”، على زمن مغازلة الورد من شرفة، ورسم-ابتكار بل وخلق صور لظلا تتخفى وتظهر في عراء الحزن، هل تتوقف دعوة استحضار الذات عند هذا الحدن كلا، بعد الابتهال ورسم صورة لانثى-الانا وهي تبتهل في محراب الحب امام الاخر/الانت، يبدأ تجلي الحضور عبر إعادة التأسيس الحقيقي للذات في كلمات ولغة أخرى تهش بها على مخيال الآخر/المخاطب ليعمق حضور المرسل/الانا في مساره التوليدي والوجودي، نتكلم هن عن المسار الوجودي في الزمان والمكان لأن الدعوة هنا هي دعوة لتأسيس اتصال حقيقي بموضوع القيمة الذي هو الانا-المخاطب وفي الاتصال الحقيقي بالانا تبدأ مرحلة اختراع علاقة جديدة في الزمان والمكان و هي من وحي الانا تصنعها لنفسها في اللغة ليتدفق الوجود الحقيقي في شريان النص اللغوي. وتبدأ لحظات تجلي الحضور الحقيقي للانا والانت في الزمان والمكان، وهو تجل يرتبط بدعوة الانت ليتجلى في روح وشكل جديد لينشد الوصال الصوفي والانكتاب كحكاية أبدية :
الذي يرتقي أدراج الرؤى يقتدي بالوصال
ينكتب كحكاية أبدية..
ثم الذي يتنزل على القلب
إذا إحتدى بالعزلة
و لم يقرأ نصا صوفيا ضليعا في المعشوق
لن ينال البر الغزلي..
و لن يرى ما تراه العيون الكتوم..(قصيدة ، أكون شوقا وعطرا، ص27).
هل تتوقف لحظات تأنيت الزمان والمكان عند هذا الحد؟ للإقلاع نحو عوالم الحضور الحقيقي في زمن الرتابة وثقافة التفاهة والانضباط امام قوانين ثقافة الاستهلاك وسيطرة زمن الذكورة ولغته على مخيال الافراد، تصبح دعوة الانا دعوة للتحلي بالجرأة و الجذارة، لا يمكن لدعوة الذات ان تكتمل الا بانفصال الانت/الاخر عن زمن الرتابة و يكون جديرا بالتقاط الدعوة. فعل الدعوة أيضا محكوم بفعل “كن”. يقول جميل صليبا في معجمه الفلسفي، “يطلق لفظ كن على الامر التكويني الذي يعبر عن الخلق الإلهي، أي عن خلق الله والعالم ولكل جزء من أجزاءه لوقت وجوده على حساب إرادته وعلمه.(إنما قولنا لشيئ إذا أردنا أن نقول كن فيكون)(قرآن كريم16/40). ويطلق لفظ كن أيضا على فعل الإرادة الإنسانية من جهة ما هي أصل لحصول شيء جديد يحقق غاية متصورة”، و الملاحظ أن فعل “كن” يرتبط في هذا المقطع الشعري، وهذا مجال لاشعور النص، يرتبط بتجاوز حالة التستر والجهر بقبول دعوة التفكير بالأنا، ليس غريبا أن يرتبط فعل كن في معاجم اللغة العربية بالكِن، وعن الكن يقول جميل صليبا :” كن الشيء ستره واخفاه، والمكنون المستور البعيد عن الاعين، او المخفي الذي لاتصل الايدي في الحاضر، كأحوال اللاشعور التي تؤثر في الأصول النفسية الظاهرة تأثيرا خفيا، فهي من الأحوال العينية المكنونة المتوارية عن العيان وزمان الكنون في علم النفس هو الفترة الفاصلة بين تأثير المنبه والجواب عنه، وعند علماء التحليل النفسي هو الزمان الفاصل بين نهاية الأحوال الجنسية الخاصة بزمن الطفولة الأولى الطفولة الأولى وبداية الأحوال الجنسية المتعلقة بزمن البلوغ”(5).
دخل اللاشعور معتمرا طاقية الاخفاء إلى لب الحوار بين الأنا والانت ، لتأتي لحظة المكاشفة الحقيقية في الخطاب، والمتمثلة في دعوة الآخر/الذكر/النحن(الجماعة) في امتلاك قوة الاعتراف والجذارة بالاتصال بالانا، لتكتمل صورة الاخر الممكنة في زمن الانا الشعري، ولا يمكن أن يتحقق هذا الاكتمال والتوحد الصوفي الا بالتمني “لو”، الذي يشكل مدخلا الى المطلق في الزمن الشعري مكتسحا زمن الانا وزمن الاخر، والتمني بحث عن زمن الحضور الضائع الذي ينام بين أبجدايات اللغة. التمني أيضا لغة الحلم والمطلق الذي تنسجه الصورة الشعرية التي تسمو بلحظة الاتصال، هناك في زمن ومكان مطلقين، في فردوس التوحد المفقود.
لو كنا نجمين على مرمى النهر،
نبادل الحب ونترح في هواء مخاتل
لو تعود الاحلام فجأة وتسابق خطو الهداد
إلى صباح لا يعذب الأرواح
لو تراق على صدري لحظة شوق وميلاد
إنها صورة تعبر عن جغرافية الحضور التي تفيض سعادة والفة بين الانا والانت، ثم ينقطع صدى التمني، ويترك المجال للفراغ لأن “لو” (6)في هذا المقطع الشعري تفيد في معاجم اللغة العربية الشرطية ،أي عقد السببية والمسببية بين الجملتين بعدها، كما انها تفيد تقييد الشرطية بالزمن الماضي، وبهذا الوجه، كما بقول اللغويون العرب، فارقت إنْ، ،فإن هذه لعقد السببية والمسببية في المستقبل، ولهذا قالوا: الشرط بإن سابق على الشرط بلو، وذلك لأن الزمن المستقبل سابق على الزمن الماضي، وهي تفيد الامتناع لامتناع، أي امتناع الجواب لامتناع الشرط. ما أن يتوقف التمني المفقود حتى يبدأ صداه يتردد في لغة الحلم، فكل الدروب تؤدي إلى مدائن الكلمات ويظل حلم التوحد بين الانا والانت معلقا بين الحضور والغياب
لاعترتنا الرعشات رحيمة حليمة مذابه
.. كأي شيء يخصني وبلغة الانتباه.
ومرة أخرى ينبعث التمني كالعنقاء من رماد النسيان والصمت ليجترح صداه المغيب في دعوة الانا للأخر للإبحار والعبور نحو عوالم الحب والخلاص، ففي التوحد بالانا يرتسم الخلاص كبديل وجودي لتجاوز “هشاشة الزمن”(ص25)(قصيدة أعذر كل الاحلام ولا أنجو من خطاياها)، و الخروج من شرنقة الصمت الذي يعتقل صيرورة الذات من المرور من حالة الاحتمال الى حالة التحقق أي أن تمتلك ذاتها الحقيقية المغيبة،ولتحقيق ذلك يتعين الكتابة ضد الصمت
وبعد ذلك لم ينفع معي أن أشعر بالصمت
كلما ازدحمت العبارات تمردت على القراءة
وصار لي يد أخرى
وفكرة متربصة بالعتمة”(ص29 قصيدة أكون شوثا وعطرا).
لا تقتصر المواجهة هنا عن حالة الاشباع بالصمت التي تعتور كينونة الذات، بل تمر الى الهجوم على قلعة الصمت وحراسها،و التي تحيل الذات الى فراغ، وتعتقلها بين حيطانها، لأنه ، أي الصمت، يزاحم الرغبة في الممكن”.
كأني أومي للصمت أن يضجرني
عندما أبلغ ترقوته
يبادلني التحية ويعدو خلف بارقة محذرة..

حيث هناك في الكمون يكبر سؤال الصمت
صوتا يزاحم الرغبة في الممكن
وثرا من لحاظ عابرة.
(ص31 قصيدة القلب النشوان يهدر كشعر).
إنها مواجهة أيضا لتفكيك”قبس الصمت”(ص85،قصيدة مسبحة العاشق)،و الهمس للماء”أن حاذر مما يحاك له في الغياب”( قصيدة ثم أهمس للماء،ص34)،والاحتماء من”غيمات الصمت”(ص39)، و”براق الصمت”(ص47)،لتجاوز روتين النسيان والعدم المتأهب للفقد(ص74). الكتابة في ديوان “مهموس رخو” كتابة ضد الصمت بحث عن هتاف نوراني” يتهدل بين أشجار الصمت /ويبرق بالعاصفة لون الحياة”(ص97،مهموس رخو من أقصى القلب)، وفي ظلماء الصمت تقاوم الأنا سلطة المحو، في قبيلة الكلمات
أنا سليلة الشعر
عندما يحمدني الليلي
أسجن روحي في بارقة الصمت
و أمدد الحروف كي تشيح عن الفرادة
وتصير قمرا بين أغصان الذكرى…(ص93، قصيدة مناديل القلب).
و مما تجذر الإشارة اليه في هذا الديوان ان الكتابة ضد النسيان والمحو والغياب تجعل بينة الإيقاع تعرف ازدواجية في الحمولة النفسية أي ان الوظيفة الانفعالية في هذا الديوان تمتح مقوماتها الدلالية من محور دلالي(بنية عميقة) النجوى والانزعاج وهو ما يفسر هذا التجاذب بين معجمين الأول يكتسب دلالته من حقل معجمي دلالي تصب معظم كلماته في حقل النجوى واحتفاء الانا بوجودها وحضورها الحقيقي كالحلم/ الامل/الحب/الفرح/النور/الربيع/الخيال/ وكل الدلالات التي تحيل الى النجوى رغبة الانا الشاعر في اجتراح لغتها الذاتية لتاسيس وجودها الخاص ، اما المعجم الثاني فتنتمي دلالاته إلى حقل معجمي (الانزعاج ) كالليل الظلام/الانتظار/الحزن/ الصمت/الاغتراب الشبيه بالموت(ص33)/ لتتحول فضاءات النصوص الى ميدان لتشابك هذا الحقلين المعجميين تشابك أيضا بين نسقين متعارضين تنتصر فيه الكتابة لمعجم ونسق الانا، وما يتولد عن هذا الانتصار من احتفاء بالانا والتمجيد الذاتي لهذه الانا في العديد من الصور الشعرية التي تنكتب فيها الذات في صيرورتها:، وهي صيرورة وجودية حقيقية يتحقق فيها الحضور الفعلي للذات خاصة عندما تسربل الذات/الانا لحظات اللتوحد بالاخر بلباس الحب
أيتها الأشياء الوردية لا عزلة في الفرح
لاجرس يفتر عند اقتبال شمس القداسة
لاحزن بعد اليوم
و لتحضري مأدبة الأبدية في كل صلاة
فالقلب النشوان يهدر كشعر
يتردد في الصدى
ويحصد ألطف القبلات” (قصيدة، القلب النشوان يهدر كشعر،ص31).
ولأن الطريق الى التحقق الذاتي يبدأ بالحلم فإن الكتابة ضد الغياب هي كتابة الذات الحالمة، التي تريد أن تكون، والإرادة هي قوة مؤكدة للوجود الذاتي. الحلم أيضا تعبير عن الذات الحالمة التي تسعى إلى أسطرة وجودها داخل فعل الكتابة إنه
صنو الحياة
نخبها الذي يؤوب الى الغياب
كأنه صدى للريح وهي تجوب حدائق الهباء(قصيدة حلم لاغب ومظلة،ص41).
2 -على سبيل الختم
لنختم من حيث يجب أن نبدأ: العنوان عتبة النص المركزية، العنوان، لا يخفى ما للعنوان من أهمية في فهم النصوص الأدبية وتحليلها من المتفق عليه أن العنوان غالبا ما يكون تكثيفا للنص،أو أن النص يمطط العنوان) ويحلله، وفي كلتا الحالتين فللعنوان بنيته العميقة ،التي تربط العنوان بالنص لأن العنوان جملة كتبها مؤلف، يقول مضمونها :النص يقول ما يقوله العنوان (7). هناك مهيمنة شعرية تؤثث الكتابة في ديوان “مهموس رخو من أقصى الشعر”، إنها موضوعة الهمس وهي معادل ضدي للجهر. الهمس(8):لغة التكلم بكلام لا يكاد يفهم واصطلاحا الخفاء في السمع نتيجة انتفاخ الوترين الصوتيين وعدم اهتزازهما و جريان كثير لهواء النفس. حروف الهمس عشرة مجموعة في عبارة (سكت فحثه شخص)، وتتفاوت الحروف المهموسة في قوتها، فأقواها : الصاد فالخاء فالتاء والكاف وأضعفها: الهاء والفاء والحاء، أما الجهر هو منع جريان النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج، وهو من صفات القوة ومن الصفات التي لها ضد. وفي لسان العرب جهَرَ / جهَرَ بـ يَجهَر ، جَهْرًا وجِهارًا ، فهو جاهر ، والمفعول مجهور به :-
• جهَر الأمرُ علَن وظهَر :- {وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا} .
• جهَر بالكلام ونحوه: أعلنه، رفع صوتَه به :-جهَر بالقراءة/ بالحقيقة، – {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} .
في هذه الحالة يتحول الهمس والجهر الى بنية من البنيات العميقة الأساسية يضبط تبديلها CONVERSIONسيميائيا تجليات الخطاب الشعري في ديوان” مهموس رخوّ، وبالتالي فالاتصال بالهمس هو انفصال عنه لأن الانفصال بالهمس جهر بالمهموس. يبقى سؤال من يهمس لمن في خطاب الانا الشاعرة؟. السؤال يقتضي السؤال يقتضي العودة الى بينة التواصل في الديوان حيث تتحول الانا-كاتبة- (التي هي في هذا المقام للامالكة العلوي)الى مرسل ومرسل اليه في الان ذاته، إنها محفل شعري يتلقى رسائل من مرسل متعال وفي الان ذاته تتحول الى مرسل يبث خطابه الى مرسل اليه/ مخاطب عليه أن يفكك شغرات الخطاب، لكن بت هذه الرسائل يفوض الى أنا-شاعرة ، تتحول الى مركز القول الشعري، وفي مركزيتها تزيح ذكورية اللغة من مركزيتها، إنها وهي تبث ما يرسله، وهنا نجيب على السؤال المطروح آنفا، تكتب هويتها في الحدود المرسومة بين المركز واللامركز l’acaentré ، بين الانا واللاانا، بين الذات المفترضة والذات المتحققة، بين ما يقف عقبة كاداء بين مرور الذات الشاعرة من الانا المفترضة الحالمة إلى الذات المتحققة، و السمو بهذا الصراع عبر المتخيل الشعري في الزمان والمكان، أي ان الانا الشاعرة وهي تحكي تجربتها الوجودية في 25 نصا شعريا، وقول ما يمليها عليه الهمس باعتباره مرسلا متعاليا من قيم متعددة ، تخلق فصلا فضائيا وزمنيا d-s-t يجعل زمن وفضاء القول الشعري يتمفصل بين زمانين وفضائين : زمن ومكان القول الشعري أب أنا هنا الان الخطاب الذي يحيل الى زمن تلفظ الذات الشاعرة وزمن و وفضاء ما تبثة الملفوظ(الخطاب) ، الأول واقعي يحيل الى الانا والزمن المغربي والثاني متخيل يمتزج فيه الحلم بالحب والتصوف والربيع وآذار،إنه زمن وفضاء التعالي الذي يحكي حضور الانا في زمنها وفضائها الخاص حيث الذات تهمس في اذن القارئ أنني هنا الان اكتب إذن فانا موجودة بالفعل والقوة. ها نحن غذن في خاتمة هذه المداخلة ننتهي من حيث بد~نا، الهمس باعباره وحدة جامعة لقيم تقولها الذات في تيمات (موضوعات) يتمرآى في ها العنوان والعكس صحيح أيضا العنوان يشرح النص والنص يشرح العنوان ليترك خطاب الكتابة منفتحا على آفاق صيرورة المتخيل الشعري عند للامالكة العلوي. أو لم تخاطب ذاتها في مونولوج تتحول فيها الى مرسل ومرسل اليه في الان ذاته قائلة
ألوذ بنفسي إلى فرار مخجل
أقض الرمس بالكبرياء
لعلني أدحض نظرية المؤامرة
و أشفي غليل الغضب…
فلا يندمل وجعي
دونما قرض شعر أو كتابة ناقمة.(قصيدة فضفضة وأشياء أخرى،ص61).
نص المداخلة التي القيت بمديرية الثقافة بمراكش يوم 20-05-2022
1-MariA Litsardaki, La dialectique de l’absence et de la présence dans la création poétique : l’exemple de la poésie française, Quêtes littéraires nº 2, 2012, Université Aristote de Thessalonique.
2-لالة مالكة العلوي، مهموس رخو من أقصى الشعر، ،ط1، 2021.،دار القلم العربي للنشر والتوزيع.
3-أدونيس،” أوراق في الريح”-صياغة نهائية، دار الآداب، 1988، ص21.
4-عبدالله محمد الغدامي،المراة واللغة، المركز الثقافي العربي،ط3، 2006، ص44.
5-جميل صليبا،المعجم الفلسفي،دار الكتاب اللبناني، الجزء الثاني، 1982، ص.ص245-246.
6-تراجع مادة “لو” في معجم المعاني
https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/
7-léo.Hoek .Description dun archonte Préliminaire a une théorie du titre a partir du nouveau roman.inNouveau roman hier aujourdhui. Problémes genéraux.U.G.E1972.Col.10/18.-ouv.col.p.297
8- تراجع مادة همس في معجم المعاني، المرجع نفسه.

 

 

د. محمد الدوهو

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.