احتضنت مدينة طنجة، يوم الخميس 30 يوليوز 2026، أمسية شعرية وفكرية بعنوان «قراءات شعرية من أجل السلام»، نُظمت بشراكة بين مجلة «طنجة الأدبية» وWorld Poetry Movement – Morocco، وذلك ضمن برنامج الصالون الأدبي لمجلة «طنجة الأدبية».
وجمع اللقاء، الذي احتضنه فضاء California Garden بطنجة، نخبة من الشعراء والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي، في أمسية جعلت من الشعر مجالاً للتعبير عن قضايا الإنسان، ومن القصيدة مساحة للتأمل في قيم السلام والتعايش والحوار.
الشعر في مواجهة ثقافة الصراع
لم يكن اختيار السلام موضوعاً لهذه الأمسية مجرد عنوان عابر، بل جاء ليمنح اللقاء بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز حدود القراءة الشعرية التقليدية. ففي عالم تتزايد فيه مظاهر التوتر والانقسام، يظل الأدب قادراً على تقديم خطاب مختلف، يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف بالآخر.
ومن هذا المنطلق، جاءت القراءات الشعرية لتؤكد أن القصيدة تستطيع أن تكون أكثر من تعبير جمالي؛ إذ يمكنها أن تتحول إلى موقف إنساني، وإلى صوت يدافع عن الحياة والحرية والكرامة، ويفتح إمكانات للتواصل في مواجهة خطابات العنف والكراهية.
وقد شكل موضوع السلام خيطاً ناظماً للقاء، الذي أتاح للشعراء المشاركين تقديم نصوصهم أمام جمهور من المهتمين بالشعر والثقافة، في أجواء اتسمت بالتفاعل والانفتاح.
أصوات شعرية متعددة تحت سقف واحد
عرفت الأمسية مشاركة مجموعة من الشعراء والأدباء، وهم نزهة بنادي بركة، زكية الحداد، خديجة كراكي التمسكاني، مصطفى الزين، محمد سعيد المقدم، رشيد الصويليحي، أحمد فرج الروماني، ومحمد حجي محمد.
وقد قدم المشاركون قراءات من تجاربهم الشعرية، عكست تنوعاً في الأساليب والرؤى والحساسيات الإبداعية، بينما ظل موضوع السلام حاضراً بوصفه قيمة إنسانية وجمالية مشتركة.
وأتاح هذا التنوع للقاء أن يتحول إلى فضاء حقيقي لتعدد الأصوات الشعرية، حيث التقت تجارب مختلفة حول فكرة واحدة: قدرة الكلمة على بناء جسور بين الإنسان والآخر، وعلى مقاومة العزلة والانغلاق من خلال الإبداع.
كما منح حضور الجمهور للقراءات بعداً تفاعلياً، إذ لم تقتصر الأمسية على إلقاء النصوص، وإنما شكلت مناسبة للقاء المباشر بين الشعراء والمتلقين، وتبادل الأفكار حول الشعر ودوره في الحياة الثقافية.
«صالون طنجة الأدبية».. فضاء للقاء والتفاعل الثقافي
وتندرج هذه الأمسية ضمن برنامج الصالون الأدبي لمجلة «طنجة الأدبية»، الذي يشكل فضاءً للقاء بين المبدعين والقراء والمهتمين بالشأن الثقافي.
وقد حرصت مجلة «طنجة الأدبية» من خلال هذا الصالون على مواصلة تقليد اللقاءات الثقافية المباشرة، وإتاحة المجال أمام الشعراء والكتاب والفنانين والباحثين لتقديم تجاربهم ومناقشة القضايا التي تشغل المشهد الأدبي والثقافي.
ويكتسب الصالون أهميته من كونه لا يكتفي بالاحتفاء بالإبداع، بل يسعى أيضاً إلى خلق فضاء للحوار، والتقريب بين المبدع والجمهور، وإعادة الاعتبار للقاء الثقافي المباشر باعتباره جزءاً أساسياً من الحياة الأدبية.
وفي هذا السياق، جاءت الشراكة مع World Poetry Movement – Morocco لتمنح لقاء «قراءات شعرية من أجل السلام» بعداً إضافياً، بالنظر إلى طبيعة الموضوع الذي اختارته الأمسية، وما يحمله من دلالات إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
الشعر باعتباره لغة كونية
يحظى الشعر بقدرة استثنائية على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، لأنه ينطلق في جوهره من التجربة الإنسانية المشتركة. ولهذا ارتبط تاريخ الشعر دائماً بالأسئلة الكبرى التي تخص الإنسان: الحب، الحرية، العدالة، الموت، الحياة، الوطن، والبحث عن معنى الوجود.
ومن هنا، فإن تخصيص أمسية شعرية لموضوع السلام يعيد التأكيد على الوظيفة الإنسانية للأدب، وعلى قدرة الشعراء على التعبير عن تطلعات الإنسان إلى عالم أكثر أمناً وتسامحاً وانفتاحاً.
وقد شكل اللقاء في طنجة مناسبة لاستعادة هذه الوظيفة، من خلال نصوص وقراءات حملت في طياتها دعوة إلى التأمل في الإنسان وعلاقته بالآخر، وفي قدرة الثقافة على مواجهة منطق الإقصاء والانقسام.
طنجة.. فضاء طبيعي للحوار بين الثقافات
ولم يكن اختيار طنجة لاحتضان هذا اللقاء منفصلاً عن طبيعة المدينة وموقعها في المشهد الثقافي المغربي والدولي.
فالمدينة، التي ظلت تاريخياً ملتقى للثقافات واللغات، ارتبط اسمها بالأدباء والكتاب والفنانين، وشكلت فضاءً للتفاعل بين تجارب إبداعية متعددة.
ومن خلال احتضان مثل هذه المبادرات، تواصل طنجة ترسيخ حضورها كمدينة للثقافة والانفتاح، وتؤكد قدرة الفعل الثقافي المحلي على الانخراط في القضايا الإنسانية الكبرى.
وفي هذا الإطار، شكلت أمسية «قراءات شعرية من أجل السلام» مناسبة أخرى لتأكيد أن الأدب قادر على تحويل الفضاء الثقافي إلى مجال للتواصل، وأن الشعر يمكن أن يساهم، ولو رمزياً، في ترسيخ قيم الحوار والتعايش.
شراكة تجعل من الثقافة جسراً للسلام
وتبرز أهمية هذه التجربة أيضاً في طبيعة الشراكة التي جمعت مجلة «طنجة الأدبية» وWorld Poetry Movement – Morocco، ضمن برنامج الصالون الأدبي للمجلة.
فمثل هذه الشراكات الثقافية تتيح توسيع دائرة الفعل الأدبي، وفتح المجال أمام مبادرات تجمع بين المحلي والكوني، وتمنح القضايا الإنسانية حضوراً داخل الفضاء الثقافي.
ومن خلال هذا اللقاء، بدا الشعر حاضراً باعتباره فعلاً ثقافياً قادراً على طرح الأسئلة، وتحريك النقاش، وإعادة الاعتبار إلى القيم التي تجمع البشر، وفي مقدمتها السلام والحرية والتعايش.
الكلمة.. حين تتحول إلى موقف إنساني
أكدت أمسية «قراءات شعرية من أجل السلام» أن الشعر لا يعيش فقط داخل الكتب والدواوين، بل يحتاج أيضاً إلى فضاءات اللقاء والحوار والتفاعل مع الجمهور.
وقد نجح اللقاء في الجمع بين جماليات القراءة الشعرية وبين البعد الإنساني لموضوع السلام، ليصبح بذلك مناسبة للاحتفاء بالقصيدة، وفي الوقت نفسه للتذكير بالدور الذي يمكن أن تضطلع به الثقافة في بناء خطاب بديل يقوم على الحوار والتفاهم.
وبذلك شكلت الأمسية محطة جديدة ضمن الصالون الأدبي لمجلة «طنجة الأدبية»، ورسخت أهمية استمرار اللقاءات الثقافية التي تمنح المبدعين والجمهور فرصة للالتقاء حول الكلمة.
وفي ختام هذا الموعد الشعري، بدا أن الرسالة الأهم التي حملها اللقاء لا تكمن فقط في النصوص التي قُرئت، وإنما في الإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً، وأن الشعر يستطيع أن ينحاز إلى الإنسان، وأن الثقافة تظل واحدة من المساحات القليلة القادرة على جمع المختلفين حول قيم مشتركة.
طنجة الأدبية

