الرئيسيةمقالات و دراساتتهافت حالة الطبيعة: قراءة للتفسير الدائري عند جان جاك روسو والمصادرة على المطلوب.

تهافت حالة الطبيعة: قراءة للتفسير الدائري عند جان جاك روسو والمصادرة على المطلوب.

عبد الكريم قنوع

بداية، حتى لو اعتبرنا طرح روسو مجرد فرضية ذهنية وليس تاريخا واقعيا، فإن الفرضية الذهنية يجب أن تكون متماسكة منطقيا وغير متناقضة ذاتيا، وسنحاول بيان أن فرضيته تقع في تفسير دائري.

حين ندخل كتاب خطاب في أصل التفاوت بين الناس لجان جاك روسو، ندرك منذ الصفحات الأولى أننا لسنا أمام تدوين لوقائع تاريخية أو مسار سوسيولوجي واقعي لمجتمعات بشريّة معينة، وإنما نحن أمام بناء افتراضي محض، تمت صياغته بعناية ليخدم أفكارا مضمرة. يضعنا روسو أمام إنسان وحشي، منعزلا، طليق، يستغني عن كل شيء… لكن سرعان ما يلاحظ المنتبه علامات الاستفهام أمام هذا الطرح:

كيف لإنسان مكتف بذاته، لا يملك لغة ولا يحتاج إلى اجتماع، أن ينتِج فجأة مفاهيم التملك والعدل والقانون؟

وكيف يمكن للغة —التي يفترض روسو أنها وليدة رغبة طفل في التواصل مع أمه— أن تتأسس وتستقر دون وجود اجتماعي مسبق يفهم فيه الطرفان معاني الأصوات؟

المتأمل في هذا الموضوع يجد نفسه مرارا أمام تفسير دائرِي بامتياز؛ يفسر المجتمع بالمجتمع، واللغة بمقدمات لا تقوم إلا بوجود لغة، يخلط بشكل غريب بين دافع التملك الفطري، وبين الملكية كمنظومة حقوقية اجتماعية، ليخلص بلغة عاطفية إلى تحميل التمدن كل أوزار البشرية مقابل تنزيه الوحشي عن كل سوء.

تقوم هذه القراءة البسيطة على منهج نقدي تفكيكي، يقوم على كشف التناقض والتعليل الدائري داخل نص روسو (نقد داخلي)، ومواجهة افتراضاته بالواقع السوسيولوجي للبشر (نقد خارجي).

وتسعى هذه القراءة الأولية إلى تفكيك بعض هذه الافتراضات عبر نقد داخلي يمسك النص من تناقضاته المنهجية، وآخر خارجي يستند إلى منطق التطور الاجتماعي والواقع البشري… لنرى أصمدت فرضية الإنسان المنعزل أمام منطق روسو نفسه ومنطق نشوء الاجتماع البشري؟ كما أن القراءة البسيطة هذه لا تعد إعادة شرح لأفكار روسو أو تقديم عرض تعليمي لكتابه، بقدر اعتبارها ممارسة تفكيك ومساءلة لمنطقه؛ فالأسئلة في النقاشات الفلسفية والسوسيولوجية هي الأدوات الأساسية لوضع الفرضيات تحت الضغط، وكشف ثقوبها وتناقضاتها الداخلية دون الوقوع في التلقين.

أولا: تهافت الحالة الطبيعية: تفكيك التفسير الدائري عند روسو.

مشكلة روسو الأساسية تكمن في أنه يبدأ من إنسان منعزل لا يملك لغة ولا مجتمعا، ثم يضطر أثناء التفسير إلى إدخال عناصر اجتماعية ولغوية وتعاونية لا يمكن الاستغناء عنها لتفسير نشأة اللغة والملكية والعدل. فيصبح الاجتماع شرطا لظهور الظواهر التي يريد تفسيرها، فتغدو الفرضية معتمدة على النتيجة التي تريد تفسيرها؛ المجتمع يفسر المجتمع، واللغة تفسرها مقدمات لا تقوم إلا بوجود لغة أو شبه لغة سابقة.

ثانيا: الإنسان الوحشي ومسألة العزلة المفترضة.

ما يلاحظ بداية أن (روسو) كان يتحدث عن الفرق بين الإنسان المتمدن والإنسان الوحشي، أي ابن الطبيعة. فأظهر الفرق المفترض؛ أن الوحشي يستغني عن الأشياء الأساسية ويتعلم الأساليب الأساسية للبقاء، بينما المتحضر يؤمن الضروريات ويبتعد عن أساليب البقاء.

وقبل إكمال تناول أفكاره، لابد ومن الضروري طرح مجموعة من التساؤلات التي ستجعلنا نقف ونفكر مرة أخرى، من قبيل:

ما الدليل المنطقي على أن الإنسان كان يعيش منعزلا وليس في جماعات صغيرة؟

لا يبرهن روسو على هذا الافتراض داخل فرضيته المزعومة، وإنما يتخذه نقطة انطلاق يبني عليها بقية المراحل.

أليس أمرا صعبا للغاية أن يعيش الإنسان فرديا منزويا؟ ألن يقلل هذا من احتمال نجاة النوع البشري؟

بالعودة إلى الإنسان الطبيعي، فهو مرحلة من مراحل تطور الاجتماع البشري، بمعنى أن الإنسان وجد يعيش في جماعات صغيرة، كما هو شأن كثير من الكائنات الاجتماعية، يسخر ما توفره الطبيعة لصالحه ويطوره تطويرا وتطويعا حتى نشأ الاجتماع بشكله الحالي. أما افتراض (روسو) أن الإنسان الوحشي وحده والمدني وحده، هو افتراض ناقص يناقض الطبيعة التي يفترضها بنفسه.

فالإنسان الوحشي -المفترض- هو مرحلة من مراحل تطور الاجتماع البشري كما ذكرنا سابقا.

ثالثا: إشكاليات نشوء اللغة في فرضية الأطفال والأمهات.

انتقل روسو لافتراض نشوء اللغة باعتبارها ظهرت بسبب رغبة الأطفال في التعبير، وليست تلقينا من الوالدين، وعن كونها (اللغة) تطورت في الجزر ثم انتقلت إلى القارة لاحقا كما سنرى.

إذن، إذا كانت اللغة نتاج رغبة الطفل في التواصل والتعبير، كيف ستعرف الأم لغة لم تتواصل بها من قبل، وكيف تستوعب عدة لغات لعدة أطفال؟

وكيف تعبر كلمة واحدة (كما يزعم) عن جملة طويلة، إذا أخذنا بافتراض أن الإنسان الوحشي ابن الطبيعة يعرف عديد الحيوانات وعديد الأشجار والمواقع والتكتيكات؟ ألا يصعب أن تكون الكلمة بديلا لجملة أو فكرة على الأقل؟

وإذا أخذنا بافتراض روسو أخذا، كيف ظهرت أول بادرة للغة؟ لماذا احتاج الإنسان إلى كلمة أو صوت؟ وكيف جعل مصدر الصوت (صاحب الصوت) المتلقي (المستمع) يفهم معنى ذلك الصوت؟

يقول روسو: طفل يصدر صوتا معينا عندما يريد الماء، والأم تلاحظ أن هذا الصوت دائما يظهر في نفس الحاجة، ومع التكرار يصبح الصوت علامة مرتبطة بالماء. المرجع: خطاب في أصل التفاوت بين الناس، ج.ج. روسو (بتصرف)

لو كان هذا الافتراض صحيحا لما وجدت النساء الآن صعوبة في فهم رغبة الطفل. أيبكي لأنه جائع أم لأنه ظمآن أم لأنه تغوط في حفاظه؟

يصعب أن تنشأ اللغة على هذا الافتراض. ولو كانت كذلك لنشأت عند الحيوانات أيضا على هذا الأساس.

بناء على افتراضه، كم سيحتاج الإنسان من الوقت ليفهم أول كلمة حسب الصوت والسياق والحركة؟ وهو يملك آلاف السياقات يوميا وآلاف الحركات والأصوات.

إذا كان سيبدأ مع موقف واحد لينتج كلمة واحدة، فكم سيحتاج من الزمن لينتج عشر كلمات أو جملة ذات معنى؟

وإذا كان الإنسان يفهم حسب السياق والحركات، فما حاجة اللغة (المنطوقة) أو الكلمات؟

إذن من أجل إنتاج لغة نحتاج عدة سياقات، وبالتالي نحتاج فترة طويلة جدا لإنتاج لغة بسيطة، ربما عدة أجيال، ويصعب ان تنشأ اللغة من الطفل إلى الأم، وتصعب عملية نشوئها ما دام الاجتماع البشري غير موجود.

رابعا: الأخلاق بين الوحشي والمتمدن، تفكيك سوسيولوجي.

يلاحظ بشكل جلي أن (روسو) يكتب بلغة عاطفية، ويميل بشكل واضح إلى افتراض أن كل ما هو سيئ يخص المتمدن، وكل ما هو جيد يخص الوحشي ابن الطبيعة، ولا يستدل أو يبرهن على ذلك، وإنما يضع الفكرتين وجها لوجه كما لو كانتا حقيقة مثبتة.

على سبيل المثال، حينما يتحدث عن العاطفة أو الرأفة ويقول إن الإنسان الوحشي حينما يرى آخر في حالة بئيسة فإنه يندفع لمساعدته، على عكس المتمدن الذي يمكن أن يُقتل شخص قرب نافذته فيضع يديه على أذنيه.

ومنه يمكن تسجيل عدة انزلاقات منطقية:

ما الدليل والبرهان على اختلاف أخلاق الوحشي -إن وجد- والمتمدن؟ وما المعيار/المرجع الذي يحدد هذه الاخلاق؟

وفي حال كان هناك اختلاف، ما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟

ما السياق الذي سيتدخل فيه الوحشي والمتمدن؟

يمكنني أن أجيب -فرضا- على حالة اندفاع الوحشي وتراجع المتمدن. المشكلة ليست أخلاقية بقدر ما هي سوسيولوجية.

الوحشي لا قانون يمنعه من الاندفاع، أما المتمدن فيخشى إن تدخل أن يتم جره إلى المحاكم كشاهد أو متهم، يخشى انتقام أحدهم، يخشى على اسرته…، فيتراجع خوفا على نفسه، لكن هذا لا يعني أنه يؤيد ذلك العمل الذي يحصل.

خامسا: الملكية والاجتماع (الفطري والمؤسسي).

يقول روسو أن نشأة المجتمع بدأت مع تملك الإنسان للأرض وقال هذه لي.

إذا كان الانسان يعيش فرديا ولا يحتاج للآخر إلا لأنثى أحيانا على حد قوله. فلماذا سيتملك قطعة أرضية ويقول هذه لي؟ ما هي الطريقة التي حددت ملكيته لها؟ كيف تواصل مع الاخرين وأقنعهم في غياب اللغة (صوتا أو رمزا متفقا عليه) وفي غياب التواصل؟

إلا إذا كان الانسان يعيش في مجموعات وكان بعضهم يستحوذ على أرض أو مرقد آخر، ولا يمكن لأحد أن يهيمن عليه إلا اذا لم يجد أرضا أو مرقدا، وإذا كان الإنسان فردا فالأرض شاسعة ومليئة بالمراقد، وإذا كان الإنسان في جماعات فتتراجع أعداد المراقد التي تستخدمها الجماعة، وهنا سيحاول من ليس له مرقد أخذ واحد بالقوة، فيتدخل من كان يستغله أول مرة ويحاول استرجاعه. من أجل تفادي هذه الصراعات أصبح على هذا المنوال كل فرد يضع علامة تميز مرقده.

من البديهي أن الإنسان متملك للأشياء بالفطرة (كشعور/ رغبة لا كمنظومة).

على سبيل المثال، إذا وضعنا طفلين بنفس العمر لا يتكلم أي منهما بعد، ووضعت شيء ما بينهما، فسوف يمسكه أحدهما، فيرغب الثاني به بطريقة تلقائية، مما يضطره لانتزاعه منه، فيقوم الأول بمحاولة أخذه مرة أخرى كردة فعل على كونه من حقه. وإذا وضعنا شيئين فستتكرر نفس العملية.

إذن، الإنسان متملك بطبعه، الإجتماع البشري يولد مفهوم التملك/الملكية، إلا أن شعور الامتلاك هو كائن/موجود داخل الانسان وليس نتيجة، أي أنه فطري، والإيثار مكتسب نابع من القيم الاجتماعية.

بالتالي لا ملكية ولا إيثار دون اجتماع بشري.

سادسا: عودة للتفسير الدائري.

روسو عن الاجتماع البشري يقول إنه من أنتج التخنث واللامبالاة وغيرها من التصرفات الخسيسة، وفي الوقت عينه يصر على الاستدلال بأن الاجتماع البشري هو من أنتج اللغة، ومن أنتج الروابط الأسرية، ومن أنتج القوانين، وهو من أنتج العمل، ومن كان سببا في التمدن والتطور.

يمكن أن يفهم من عرضه أنه إذا ترك الأمر كما هو، فسوف يرى القارئ أن الاجتماع البشري كان نعمة، لهذا كان يضيف خلف كل اجتماع أو مدنية وصفا قبيحا (عاطفيا كما أسلفنا) من قبيل (التخنث، أهلكت البشر…).

إلى أن وصل إلى النقطة الأساسية، وهي ألا ملكية دون اجتماع بشري، وقد ناقض نفسه إذ قال إن ازدياد امتلاك الأشياء هو ما بدأ يؤدي إلى التفاوت (أثناء العمل الجماعي/القيام بالأدوار)، وعاد مرة أخرى ليقول إن الطوفانات والزلازل عزلت الناس في جزر متعددة، وقد تطورت هناك اللغة وانتقلت منهم إلى سكان القارة عن طريق الملاحة.

ويضيف: (أدى الاعتراف بالتملك إلى أولى قواعد العدل)، فإذا ربطنا هذه الجملة بما سبق أن ناقشناه فسنرى أن التملك لم ينشأ إلا بوجود لغة وبوجود اجتماع قائم، فتعود جميع الظواهر إلى الاجتماع الذي كان يحتاج هو نفسه إلى تفسير.

لنعد إلى فكرة ظاهرة -مرة أخرى- حينما اجتمعا (الوحشي الذمر بالأنثى) معا وأنجبا أول طفل/…، هل تركهما بعد أن كبر أم استمر ارتباطه بهما، اذا انعزل عنهما كيف تعلم أن يكون إنسانا؟ كيف يمكن لشخصين أو ثلاثة فهم آليات الطبيعة، قطف، زرع، صيد… من علم إنسانا بدائيا شحد صخرة لصنع سكين؟ إذا كان الجواب بالملاحظة والتجربة، ما مصدر الملاحظة؟ كم أمضى من الوقت ليلاحظ؟ إذا كان الجواب الحيوانات المفترسة، فكم مرة يجب أن يتعرض إنسان لعضة سبع كي يجرب حدة أنيابه؟ …

خلاصة

يلاحظ بشكل جلي أن روسو في البداية يعرض فكرة الإنسان الوحشي على أساس أن اللغة نشأت عنده من الأطفال والأمهات… وأن الاجتماع نشأ لاحقا إلخ إلخ، ثم يعود بعد صفحات أخرى ويعطينا تفسيرا آخر بطريقة غير مباشرة لكون اللغة نشأت في جزيرة عن طريق الاجتماع الاضطراري، وأن الاجتماع هو ما أنشأ اللغة والعدل والقانون والتملك وغيرها. فتبقى الفرضية عاجزة عن تفسير نقطة البداية دون افتراض اجتماع سابق. فما الحاجة، إذن، إلى العودة إلى الوحشية المفترضة التي يعرضها؟ وما الإنتاج الذي يمكن أن ينشأ عن انعزال الوحشي؟

المرجع: جان جاك روسو. خطاب في أصل التفاوت بين الناس.

عبد الكريم قنوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *