تعد الفنانة المغربية كوثر الغراز Kawtar Lourhraz من الرسامات اللواتي يعملن على كسر الصورة النمطية عن المرأة. تستعيد الفنانة الجسد الأنثوي، تستخدمه كأداة لاستكشاف حالات نفسية، ولترجمة الثقافة المجتمعية المحافظة التي تهيمن على الحركية المجتمعية.
كوثر فنانة مغربية، تنحدر من “أيت زكري”، ولدت وعاشت في منطقة سوس، تلقت دراستها الأكاديمية في الهندسة بجامعة الأخوين بإفران، ثم انتقلت للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، استهواها الرسم، فانخرطت في الحياة الفنية بإنجاز العديد من الأعمال الرائعة، التي حققت نجاحا في عدة معارض، واستلفتت انتباه النقاد بأسلوبها، ومضامين لوحاتها الفنية.
أخر معارضها كان يوم سادس مارس 2026 بمدينة رالي بولاية كارولاينا الشمالية، أقيم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، بشراكة بين الرابطة الفرنسية Alliance Française وغرفة التجارة في رالي، وعدة منظمات تدعم تمكين المرأة.
سنواكب تجربة الفنانة كوثر في شرح قضايا المرأة، من خلال لوحتين، عرضتهما في المعرض المذكور، وهما “نسيان الروح” و”التيار الخفي”.
لوحة “نسيان الروح”.
قدم الدليل التعريفي بالمعرض، لوحة “نسيان الروح” بهذا الشرح: (تتناول كوثر هوس المجتمع بجسد المرأة. من خلال إدارة ظهرها للمشاهد، تجبرنا الفنانة على مواجهة نظرتنا. نرى متانة العمود الفقري وانحناءة الجسد، لكننا محرومون من وجه المرأة، أفكارها، وعقلها. ترمز الملامس النابضة بالحياة، والشبكة الجامدة على يمينها، إلى المرشحات المنهجية التي تختزل المرأة إلى مجرد شيء مادي. “نسيان الروح” احتجاج صامت ضد عالم يعنى بالجسد ويتجاهل عمق العقل الذي يحتويه. إنها تذكير بأن الجمال غالبًا ما يُستخدم كغطاء لإخفاء تألق المرأة الكامن وراءه).
يُقدم هذا التعليق مفتاحاً جوهرياً لفهم الأبعاد الفلسفية والاجتماعية للوحة التي تشخص امرأة وحيدة حاضرة، فيها قوة هادئة وألم مكتوم، وجمال يسكن فيما لا يُقال.
إدارة الظهر وإخفاء الوجه
تصور اللوحة امرأة واقفة تدير إلينا ظهرها، وتنظر إلى الأمام، في مواجهة خطوط عمودية. اختيار الفنانة تصوير المرأة من الخلف ليس مجرد اخيار تكويني، أو عفوي، بل هو فعل مقاومة مقصود. إنها ترفض أن تُرى كما يريد الذكور. المرأة في قلب المشهد، وإدارة الظهر موقف اجتماعي، وكأن الرسامة تريد أن تقول للمشاهد: “أنا لست هنا لأُشبع نظرتك”. بإخفاء الوجه، تحرمنا كوثر من التقليد الظاهري الذي يركز على المظهر دون تبني الجوهر النفسي. وتجبرنا على التوقف، وعلى مواجهة نظرته التشييئية. فالجسد هنا حاضر بقوته وانحناءاته.
إن الغياب هنا هو بطل المشهد؛ غياب الوجه يرمز بذكاء إلى غياب الاعتراف بالمساحة العقلية والفكرية للمرأة في عالم يختزلها في “مادة” أو “شيء”. نحن لم نلحظ غياب عقلها إلا حين حجبته الفنانة عنا، وهذا هو جوهر النقد الاجتماعي الذي تطرحه اللوحة.
الشبكة: قضبان القيود
على يمين اللوحة، تبرز شبكة هندسية جامدة. وفي الخلفية ما يشبه القضبان، إنها ليست مجرد خلفية جمالية، يشير تقديم اللوحة إلى أنها تمثل القيود النظامية. إنها الحواجز التي تضعها الثقافة التقليدية، لتؤطر كيان المرأة العريض داخل قوالب مادية ضيقة، محولةً إياها إلى “وعاء” جمالي مع تجاهل “الجوهر” الكامن فيه. ثقافة مجتمعية تقليدية تختزل كيان المرأة العريض في قوالب محددة، “وعاء” جسدي فقط. فاللوحة ليست مجرد تشكيل بصري، بل مواجهة أخلاقية وفلسفية حادة. واحتجاج صامت، يفكك نظرة المجتمع لكيان المرأة.
الألوان بعيون جديدة
اللوحة يطغى عليها اللون الوردي، إنه نظرة المجتمع التي تطغى على كل شيء. أما اللون الفيروزي الذي يخالط الوردي على الظهر ليس مجرد لون، إنه بريق العقل والروح الذي يتسرّب من الداخل ولا يراه أحد. فالألوان الزاهية تخفي تحت بريقها ذكاءً وقدرات ذهنية غالباً ما يتم تجاهلها. واستخدام القوام الكثيف بأسلوب انطباعي يعيدنا إلى أسلوب فان جوخ وتوتراته. هذه الضربات تعبير عن الصراع الداخلي والعمق النفسي الذي يُخفيه هذا الجسد “الجميل”.
فالألوان، وضربات الريشة، والخطوط، كلها عناصر تنقل إحساسًا بثقل عاطفي حقيقي. يجر المشاهد نحو تأملات عميقة.
لقد وفقت الرسامة كوثر الغراز في أن تجعل الغياب هو الرسالة. غياب الوجه، غياب الصوت، غياب الاعتراف بالعقل، كلها حاضرة بقوة عبر ما لا يُرى. وعنوان العمل يلخص القضية برمتها؛ فالمجتمع ينبهر بالنموذج الخارجي (الجسد) وينسى الروح والعقل. اللوحة صرخة بصرية ضد اختزال الكائن البشري في ملامحه المادية، وهي دعوة لإعادة النظر فيما وراء “الوعاء”.
حوّلت كوثر اللوحة من مجرد “دراسة للجسد” إلى بيان سياسي واجتماعي. لقد جعلت من صمت الشخصية وظهرها المكشوف وسيلة لتعرية نظرة المجتمع، ما يجعل اللوحة مرآة تعكس عيوبنا في تقدير قيمة المرأة ككيان فكري متكامل لا كقيمة جمالية فحسب.
لوحة “التيار الخفي”.
يقدم دليل المعرض لوحة “التيار الخلفي” بالجملة التالية: (يعكس عمل “التيار الخفي” العبء العاطفي والنفسي للتنقل في مجال يهيمن عليه الرجال. يجسد الشكل، المغمور جزئيًا في تيار أزرق عميق، المقاومة والصمود معًا، جسد تسحبه قوى خفية ولكنه يرفض الاختفاء تحتها).
لا تكتفي الرسامة في هذا العمل بتقديم لوحة تعبيرية ذات تكوين بصري تقليدي، بل تفتح نافذة عميقة على تجربة إنسانية مثقلة بالصراع النفسي والاجتماعي.
يُصدم المشاهد بحالة التوتر بين الحركة والثبات التي تحكم العمل. الجسد المرسوم ليس ساكنًا، بل يبدو مائلا، مشدودًا بين قوتين متضادتين: قوة خفية تسحبه إلى الأسفل، وأخرى داخلية تدفعه نحو الأعلى. هذا التوتر بين الحركة والثبات يمنح اللوحة طاقتها الدرامية؛ الجسم يرفض الاستسلام. يرتفع الرأس في حركة حاسمة نحو بقعة الضوء الوحيدة في أعلى اللوحة، كأنه يتمسك بآخر خيط من الأمل. ليستنشق الهواء ويرى النور. بهذه الطريقة الذكية، عبرت الرسامة عن “العبء العاطفي والنفسي للتنقل في مجال يهيمن عليه الرجال”، لتتحول بذلك من مجرد ممارسة جمالية إلى بيان بصري مكثف عن المقاومة والصمود.
رمزية اللون الأزرق: “التيار الخفي“
المحيط الأزرق الذي يكتنف الشخصية ليس ساكناً. ضربات الريشة المتموجة تجعل الخلفية تبدو وكأنها تتحرك، تضغط، تلتف، والجسد وحده يحمل دفء الألوان الترابية الدافئة، ما يجعله يبدو كشيء حي وسط قوة باردة لا تعبأ به.
أن الفنانة لم ترسم جسداً يغرق ببطء، بل رسمت لحظة المقاومة نفسها، التي يقرر فيها الجسد ألا ينساق خلف التيار.
اللون الأزرق ليس مجرد تمثيل للماء أو السماء، بل يمثل المجال الذي يهيمن عليه الرجال، ثقل الواقع وصعوبة الملاحة فيه. ضربات الفرشاة العنيفة تعبر عن “القوى الخفية” والضغوط النفسية والاجتماعية التي تحاول سحب المرأة إلى الأسفل، ولكنها تكسب الجسد صلابة وقوة فتصقله، وتترك فيه الخدوش والآثار.
في “التيار الخفي”، لا يُقدَّم الجسد بوصفه موضوعًا جماليًا خاضعًا للنظرة، كما درجت عليه تقاليد فنية طويلة، بل ككيان مقاوم.

تطرح اللوحة تصورًا مختلفًا للجسد، لا ككتلة مادية منفصلة، بل كامتداد للروح. إنه ليس شيئًا جامدًا، بل طاقة متدفقة تعبّر عن الألم، الصراع، والانتصار. إنها معركة بقاء على مستوى الوجود ذاته. إن جسد المرأة في أعمال كوثر ليس مساحة مستباحة للتفسير الذكوري، بل هو حصن للمقاومة والاستمرارية. جسد يبرز بقوة وسط دوامة الثقافة المجتمعية المحافظة التي تخضع لهيمنة الذكور وسلطتهم. التي أفرزت نظرة نمطية إليه كشيء موضوع للمتعة البصرية، للتملك، جسد ساكت، ساكن، يُرى ولا يَرى. هذه النظرة النمطية هي التي حاولت الفنانة كسرها، وقيادة الجسد الأنثوي نحو نور الأمل والإرادة والمقاومة، وهي ممكنة دوما.
و”العبء العاطفي” الذي ذكره التقديم يتجسد في كثافة الطلاء والاضطراب في حركة الخلفية، مما يشعر المشاهد بمدى الجهد المبذول لمجرد البقاء فوق السطح.
فإذا كانت اللوحة “نسيان الروح” تنشغل بالاحتجاج على تشييء الجسد من الخارج، فإن “التيار الخفي” تنتقل إلى مستوى أكثر عمقًا، حيث يصبح الصراع داخليًا ووجوديًا. هنا، لا يكون الجسد درعًا فقط، بل قوة دفع، ومرساة، وأداة للبقاء.
الفنانة كوثر وكسر الصورة النمطية.
في تاريخ الفن الكلاسيكي الذي هيمن عليه الرجال، غلبت النظرة الذكورية التي صورت المرأة ككائن سلبي، ناعم، ومتاح بصرياً. كان جسد المرأة يُرسم بـ “عين الرجل” ولأجله. أما في أعمال كوثر فنجد كسراً حاداً لهذه النعومة. فنها يفكك الصورة النمطية للمرأة “الموديل” ويستبدلها بالمرأة “الذات”. عندما تستعيد الفنانة رسم الجسد الأنثوي، فهي تنقله من حالة التابع، الخاضع والسلبي، إلى حالة الفاعل المقاوم والمؤثر.
في الوقت الذي تنتصب فيه اللوحة الأولى “نسيان الروح” احتجاجاً على “النظرة الخارجية” وتشييء الجسد، تأتي لوحة “التيار الخفي” لتصور “المعركة الداخلية” والوجودية للمرأة في بيئة تنافسية أو غير منصفة. في الأولى، الجسد درع يحجب العقل؛ وفي الثانية، الجسد مرساة وقوة دفع تقاوم المحو. هذه الأعمال تعكس بوضوح قدرة الفنانة كوثر على تطويع الأسلوب التعبيري لخدمة قضايا الهوية والتمكين.
هذه اللوحات التي تقدم “المعنى” بدل “الجمال”، تمثل “صوتاً بصرياً” قوياً في الساحة الفنية المغربية المعاصرة. وترفض أن تكون المرأة مجرد “وعاء”. وتصر على أن الجسد هو “الخندق الأخير“ للدفاع عن الهوية والعقل والروح. هذا النوع من الفن هو الذي يبقى، لأنه يثير الأسئلة ولا يكتفي بإعطاء إجابات مريحة للعين.
الزبير مهداد

