الحديث عن الهجرة حديث عن ظاهرة كونية، تبقى عصية عن الفهم رغم الانطباع الزائف الذي تقدمه بعض الدراسات عن إمكانية الإحاطة الشاملة بالموضوع. فالجواب عن سؤال ماهية الهجرة يستحسن في تقديري المتواضع، البحث عنه بين ثنايا أنين المهاجرين أكثر منه في الدراسات الجامعية والبحوث الأكاديمية؛ لأن الهجرة تجربة شخصية بامتياز، يختلف أثرها وكذا تقييمها من مهاجر إلى آخر، حسب السياق الخاص بكل حالة.
قبل نحو ربع قرن (1998) صدر لي كتاب تحت عنوان :”أولاد فرنسا، تمثلات الهجرة في وعي مغربي”، حاولت من خلاله رصد الوضع الاجتماعي للمهاجرين المغاربيين بفرنسا، وملامسة بعض الأسئلة الشائكة ذات الصلة، كمسألة الاندماج وقضايا الهوية والثقافة. وقد جاء هذا الكتاب ثمرة لزيارات متكررة قمت بها إلى فرنسا منذ بداية الثمانينيات؛ حيث اعتقدت حينها أن هذه الزيارات كانت كافية لأن تجعلني قريبا من إشكالات الهجرة والوقوف على معاناة المهاجرين المغاربة. وهو تقدير لم يكن صائبا في مجمله كما ستؤكد لي الأيام فيما بعد…
وتشاء الظروف بعد عشر سنوات مرت على تاريخ هذا الإصدار أن أهاجر إلى إسبانيا وأقيم بإحدى مدنها الداخلية؛ حيث يشكل المغاربة أكبر جالية أجنبية مقيمة بهذه المدينة، وأعيش تجربة متميزة جعلتني أتذوق طعم الهجرة بكل تلاوينها. كما مكنتني من اكتشاف دوائر مغلقة ثاوية في وعي المهاجر المغربي لا يمكن رصدها بالعين المجردة ولا بالزيارات السياحية المتكررة، دوائر تخرج عن دائرة التنميط وتتجاوز العناوين التقليدية التي تعودنا قراءة إشكالات الهجرة تحت مسيماتها.اكتشفت أخيرا أن الكتابة عن الهجرة شيء، وأن تكون “أنت” مادة هذه الهجرة شيء آخر..
إن ما لفت انتباهي خلال السنة الأولى من هذه الإقامة إحساسي بأن “ذاكرتي المغربية” لم تعد تشتغل بالحيوية المعهودة التي كانت عليها سابقا. فقد صرت أجاهد نفسي كثيرا لاستحضار والحفاظ على طراوة العديد من الرموز الثقافية المغربية التي كانت تطل علي بين الفينة والأخرى من خلال مشاهدة بعض قنوات التلفزيون المغربي أو عند ولوجي لبعض المواقع الإكترونية ذات المحتوى المغربي. فقد أصبحت هذه الرموز، تحت ضغط الواقع الجديد والحضور القوي والمتواصل للمعيش اليومي الإسباني، تترك مكانها لوفود ثقافية جديدة. وفود لم تغن معها كثرة التردد على أماكن معروفة يتجمَّع فيها المغاربة بالمدينة، رغم ما تمثله هذه المجالس من إمكانية التخفيف من الإحساس بالغربة، وكذا نقطا مفضلة لزيارات أمنية متكررة! فالإحساس بالملل يصبح هو سيد الموقف في مجلس يجتر يوميا نفس الكلام، وبنفس اللغة والخطاب. وقد لاحظت، على الأقل بين المهاجرين الذين ينحدرون من نفس المنطقة التي أنتمي إليها بالمغرب، كيف أن لهجة العديد منهم ما تزال تتخللها تعابير ومفردات لغوية أصبحت مهجورة في الاستعمال اليومي لساكنة هذه المنطقة.
هذه الوضعية خلقت لدى المهاجر إحساسا بالتوثر والقلق. وعمقت من هوة اغترابه عن ذاته ومجتمعه. وجعلته موزعا بين خيارين؛ خيار يدعوه إلى العودة إلى بلده الأصلي وآخر يلح عليه بالبقاء ( في حوار أجرته معه جريدة إلباييس الإسبانية على هامش تقديم كتابه “العودة” بمدريد، قال الكاتب المغربي الطاهر بنجلون المقيم بفرنسا، إنه فكر في العودة والاستقرار النهائي في المغرب، غير أنه بعد شهور مضت تبين له أنه غير قادر على تحمل الإيقاع اليومي للبيروقراطية الإدارية بالمؤسسات المغربية…).
ويعود منشأ هذا التوتر الذي يطبع حياة المهاجر المغربي، من وجهة نظري الشخصية، إلى سبب رئيسي وهو الشرخ الإبستيمي الذي حصل في وعي المهاجر نتيجة انتقاله إلى مجتمع جديد يحمل هوية ثقافية وحضارية تختلف عن ثقافته المغربية. شرخ يتباعد أو يضيق حسب المستوى التعليمي للمهاجر، وكذا كيفية تعاطيع مع حدة هذه الاختلافات. إضافة إلى عامل القرب أو البعد الجغرافي بين البلدين عندما يسمح بزيارات متكررة إلى الوطن الأم ( بدون شك، من بين الأسباب التي تبقي على صلة المغاربة المقيمين بأوروبا ببلدهم الأصلي هذه الزيارات المتكررة التي يقومون بها خلال كل سنة إلى المغرب. وهي النقطة التي تعيها دول الاستقبال جيدا، بسنها قوانين تحدد مدة وعدد هذه الزيارات خلال السنة كأحد الشروط الأساسية لتجديد بطاقة الإقامة. لأن عملية الإندماج لا تتحقق إلا بقضاء مدة أطول ومتواصلة في المجتمع المدمج فيه، الذي هو بلد الاستقبال.
من هذا المنطلق يمكن القول إن الحديث عن المهاجر يستدعي الجواب على رزمة من الأسئلة أضحت أجوبتها تشكل فيما بينها وحدة متساندة لفهم البنية الناظمة لمفردات الهجرة. فمعرفة المنطقة، هل المدينة أم القرية التي كان يقيم بها المهاجر بالمغرب، تساعد كثيرا على التمييز بين من يكثر الشكوى من الغربة والحلم بالعودة، ومن لا يتحدث عنها إلا نادرا. وهؤلاء غالبا ما يكونون من سكان البوادي الذين قصت عليهم ظروف الطبيعة وشظف العيش ببلدهم الأصلي قبل الإنتقال “مباشرة” إلى(المدينة الإسبانية) التي وفرت لهم، كما يرون، حياة أفضل للعيش الكريم…
كما أن الهجرة في سن متأخرة يعد عاملا إضافيا في تعميق الإحساس بالغربة والحنين إلى ماض تشكلت مساحة كبيرة من ذاكرته ببلد المصدر. يضاف إلى ذلك المستوى التعليمي المتدني للمهاجر، وهي السمة المميزة لغالبية المهاجرين، الذي يحرمه من التواصل الثقافي مع بلده الأصلي ويفوِّت عليه متابعة ما يجري هناك. نفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لجنس المهاجر، أذكر أم أنثى، لأن تحديد الجنس يفيد كثيرا في فهم طبيعة و”سر” هذا الميل الشديد لدى المرأة المغربية المهاجرة إلى تفضيل المكوث في أرض الغربة على العودة إلى أرض الوطن. فوضع المرأة في المجتمع المغربي، والذي لا يسمح لها بكثير من الحركة، يتحول إلى آفاق رحبة وشاسعة بحجم شساعة الحدائق العمومية والأسواق التجارية الممتازة ببلد المهجر، والتي تجد فيها المرأة المغربية حريتها ومتعتها لتمضية الوقت والتبضع، خاصة وأنها تملك الوقت الكافي لذلك بسبب مكوثها في البيت. وقس على ذلك باقي الإكراهات التي تكبل وعي المهاجر وتمنعه من أن يعيش حياة عادية كسائر البشر..
أمام هذا الوضع المتأزم الذي يفقد فيه المهاجر القدرة على التواصل، سواء مع محيطه القريب الذي هو بلد الاستقبال أو بمجتمعه المغربي المسلم، يصبح الإسلام الملجأ الوحيد للإحتماء من الإقصاء والتهميش. وتتحول الثقافة الدينية إلى محدد رئيسي لاختيارات المهاجرين تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والتجارية . وهكذا يصبح “الحلال والحرام في الإسلام” مثلا، عنصرا ضاغطا في رفض أو قبول العديد من مناصب الشغل، على قلتها، وكذا سببا في تقليص دائرة الأنشطة التجارية بدفع المهاجرين إلى مزاولة أنشطة بعينها، كفتح مخادع هاتفية أو مجازر لبيع “اللحم الحلال”، أو محلات لبيع الخضر والفواكه والأسماك..وهوما نتج عنه تنافس حاذ بين المزاولين لهذه المهن من المهاجرين المغاربة.
هذه بعض الانطباعات الشخصية من مهاجر مغربي “طارئ” يرى أن المغرب بحكم توفره على جالية مغربية معتبرة بالمهجر، مؤهل أكثر من غيره لفهم هذه الشريحة الاجتماعية من المواطنين وتقديم خبرته في الموضوع إلى المؤسسات والمحافل الدولية التي تعنى بالمهاجرين، إذا ما خلصت النية وتجاوز الاهتمام بالمهاجرين ذلك الاحتفاء الفولكلوري الذي تبديه الجهات الرسمية والمؤسسات المالية بعودتهم صيف كل سنة.
كما أنه يمكن الاستفادة من إسبانيا في هذا المجال، باعتبارها الدولة رقم واحد المصدرة لأكبر عدد من المهاجرين (ثمانية ملايين) في التاريخ الحديث، قبل أن تتحول في السنوات القليلة الماضية إلى واحدة من أكثر البلدان المستقبلة للمهاجرين. وتتوفر مكتباتها على مئات الكتب التي تعالج موضوع الهجرة من مختلف الجوانب التاريخية والاجتماعية والسياسية والأدبية…
د.أحمد بومقاصر

