الرئيسيةأخباربعد ألفي عام من الصمت.. تقنيات حديثة تعيد إحياء برديات هيركولانيوم

بعد ألفي عام من الصمت.. تقنيات حديثة تعيد إحياء برديات هيركولانيوم

البرديات الرومانية

في إنجاز علمي يُعد من أبرز الاختراقات الحديثة في مجال علم الآثار الرقمية، نجح فريق دولي من الباحثين المشاركين في مشروع “تحدي فيزوف” في إعادة بناء وقراءة شبه كاملة لبردية رومانية متفحمة تحمل الرمز PHerc. 1667، بعدما ظلت عصية على القراءة لأكثر من ألفي عام إثر دفنها تحت رماد ثوران جبل فيزوف سنة 79 ميلادية.

وتنتمي هذه البردية إلى مجموعة المخطوطات الشهيرة التي اكتُشفت خلال خمسينيات القرن الثامن عشر داخل فيلا رومانية فاخرة بمدينة هيركولانيوم القديمة، الواقعة بالقرب من نابولي الإيطالية، والتي تضم إحدى أهم المكتبات الباقية من العصرين اليوناني والروماني. وقد أدت درجات الحرارة المرتفعة والرماد البركاني الناتج عن ثوران فيزوف إلى تحويل هذه اللفائف إلى كتل كربونية هشة، ما جعل فتحها بالطرق التقليدية مستحيلاً خشية تدمير محتواها.

ووفقاً لمعطيات علمية وإعلامية متطابقة، أعلن عنها خلال مؤتمر علمي احتضنته مدينة نابولي أواخر الشهر الماضي، تمكن باحثون من جامعة نابولي فيديريكو الثاني، وجامعة كنتاكي، إلى جانب مؤسسات بحثية أوروبية، من قراءة النص دون الحاجة إلى فتح البردية فعلياً، وذلك في إطار مشروع “تحدي فيزوف”.

واعتمد الفريق البحثي على تقنيات تصوير مقطعي متقدمة عالية الدقة (micro-CT)، مدعومة بمصادر إشعاع سنكروترونية، ما أتاح الكشف عن البنية الداخلية للبردية ورصد آثار الحبر الكربوني بين طبقاتها المتراكبة. وبعد ذلك، جرى استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي لإعادة بناء اللفافة رقمياً، عبر فصل طبقاتها الداخلية افتراضياً وتحويلها إلى سطح قابل للقراءة.

وأسفرت هذه العملية عن استعادة ما يقارب 1.5 متر من النصوص المتصلة، موزعة على نحو 20 عموداً مكتوباً باللغة اليونانية القديمة، وهو ما يمثل أحد أهم الإنجازات التي حققها المشروع منذ إطلاقه سنة 2023.

وتشير التحليلات اللغوية والتاريخية الأولية إلى أن البردية تعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، ما يجعلها أقدم من معظم النصوص المعروفة سابقاً ضمن مكتبة هيركولانيوم، والتي تهيمن عليها أعمال الفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس الغداري، أحد أبرز مفكري القرن الأول قبل الميلاد.

وتكشف القراءات الأولية أن النص ينتمي على الأرجح إلى التقليد الفلسفي الرواقي، ويتناول موضوعات تتعلق بالأخلاق والسلوك الإنساني والطبيعة البشرية. كما يتضمن إشارات إلى أرستوكريون، المرتبط بدائرة الفيلسوف الرواقي كريسيبوس، الذي يُعد من أهم أعلام الفلسفة الرواقية المبكرة، بحسب ما أفاد به الباحثون المشاركون في المشروع، ومن بينهم الباحثة فيديريكا نيكولاردي من جامعة نابولي فيديريكو الثاني.

ويأتي هذا الإنجاز ضمن مشروع “تحدي فيزوف”، الذي أطلقه عام 2023 الباحث برنت سيلز، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة كنتاكي، بهدف تطوير تقنيات متقدمة تتيح قراءة البرديات المتفحمة دون فتحها، عبر دمج تقنيات التصوير المقطعي والذكاء الاصطناعي. وقد نجح المشروع خلال السنوات الأخيرة في استعادة أجزاء مهمة من نصوص هيركولانيوم، بعضها بصورة شبه كاملة.

ولم تقتصر جهود الباحثين على هذه البردية فحسب، إذ تمكنوا أيضاً من استخراج أكثر من 70 عموداً نصياً من بردية أخرى تحمل الرمز PHerc. 172، في خطوة جديدة نحو كشف محتويات المكتبة القديمة.

ورغم هذا التقدم اللافت، لا تزال مئات اللفائف المتفحمة محفوظة في حالتها الأصلية داخل هيركولانيوم، بانتظار تطوير تقنيات أكثر تقدماً تسمح بفك رموزها، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام استعادة جزء مهم من التراث الفلسفي والفكري للعالم اليوناني الروماني، الذي ظل مطموراً وصامتاً لأكثر من ألفي عام.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *