الرئيسيةأخبارلوحة لرمبرانت تعود إلى الواجهة بعد ترميم يكشف أسراراً مخفية وتقديرات تصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني

لوحة لرمبرانت تعود إلى الواجهة بعد ترميم يكشف أسراراً مخفية وتقديرات تصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني

لوحة دعوا الأطفال يأتون إلي، سوق الفن، سوذبيز

عادت لوحة “دعوا الأطفال يأتون إليّ” للفنان الهولندي الشهير رمبرانت فان راين إلى واجهة سوق الفن العالمية، بعدما أعادت أعمال الترميم الحديثة إحياء تفاصيل ظلت مخفية لقرون، لتتحول من مجرد عمل فني ديني إلى واحدة من أكثر الاكتشافات الفنية إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة، وسط توقعات بأن تحقق ما بين 8 و12 مليون جنيه إسترليني خلال مزاد تنظمه دار سوذبيز في لندن.

وكشفت عمليات الترميم عن تحولات جوهرية في بنية اللوحة الأصلية، بعدما أزيلت طبقات من الطلاء أضيفت في مرحلة لاحقة، لتظهر شخصية رجل يرتدي عمامة كانت قد استُبدلت في وقت لاحق بقبعة هولندية تقليدية، إلى جانب وجوه يُعتقد أنها تعود إلى رمبرانت نفسه ووالديه، ما أعاد فتح النقاش حول المعاني الأصلية للعمل ودلالاته الإنسانية والثقافية.

وفي تصريح خاص، أوضح ألكس بيل، المتخصص في دار سوذبيز، أنه لا توجد وثائق تاريخية حاسمة تحدد هوية الشخص أو الجهة التي أجرت هذه التعديلات على اللوحة، إلا أن الدراسات الفنية تشير إلى أن التغييرات أُدخلت ضمن حملة ترميم أو تعديل مبكرة، ربما نفذها أحد معاصري رمبرانت أو فنان لاحق سعى إلى جعل المشهد أكثر تقليدية وأسهل في القراءة البصرية، ولو على حساب الرؤية الأصلية للفنان.

ويبدو أن اللوحة، التي أنجزها رمبرانت في بدايات مسيرته الفنية بمدينة لايدن، قد مرت بمسارين متناقضين عبر الزمن؛ الأول تمثل في محاولة تبسيط مكوناتها البصرية وإخفاء بعض عناصرها الأكثر جرأة، والثاني تجسد في جهود الترميم الحديثة التي أعادت إحياء جانب من رؤيتها الأصلية وتعقيدها الفني.

وتُعرض اللوحة ضمن مزاد لوحات ومنحوتات الأساتذة القدامى والقرن التاسع عشر، وهي منفذة بالألوان الزيتية على قماش غير مبطن، بأبعاد تبلغ 103.5 × 86 سنتيمتراً، ما يجعلها من الأعمال الكبيرة نسبياً ضمن إنتاج رمبرانت المبكر. وترى دار سوذبيز أن العمل يشكل إضافة استثنائية لفهم المرحلة الأولى من مسيرة الفنان، إذ يكشف عن أسلوبه في بناء المشهد وتوظيف الشخصيات ضمن سرد بصري متعدد الطبقات.

وتستند اللوحة إلى رواية إنجيلية تتناول استقبال السيد المسيح للأطفال رغم اعتراض بعض التلاميذ، إلا أن القراءة الجديدة التي أتاحتها أعمال الترميم تشير إلى أن رمبرانت تجاوز الإطار الديني التقليدي، ليقدم مشهداً إنسانياً واسعاً يعكس مفاهيم القبول والتنوع والتعايش.

وتكتسب الشخصية التي ترتدي العمامة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ إن وجودها يوسع من أفق قراءة اللوحة، ويشير إلى حضور عناصر ثقافية ودينية متنوعة داخل العمل. وكانت تقارير صحفية بريطانية قد كشفت أن النسخة الأصلية من اللوحة احتوت على شخصيات أكثر تنوعاً، قبل أن تخضع لاحقاً لتعديلات قلصت من هذا البعد الثقافي.

ويرى باحثون أن هذا التنوع ينسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي عاش فيها رمبرانت بمدينة لايدن خلال عشرينيات القرن السابع عشر، وهي فترة شهدت انفتاحاً نسبياً على جماعات مختلفة من التجار واللاجئين وأصحاب الحرف، في ظل تحولات دينية وسياسية عميقة عرفتها الجمهورية الهولندية آنذاك.

كما أظهرت الدراسات الحديثة احتمال احتواء اللوحة على صور شخصية للفنان ووالديه، ما يمنح العمل بعداً ذاتياً وعائلياً نادراً في إنتاج رمبرانت المبكر. وإذا تأكدت هذه الفرضية، فإن اللوحة ستصبح واحدة من أبرز الأعمال التي تجمع الفنان وأفراد عائلته ضمن تكوين فني واحد.

وتعد هذه العناصر مجتمعة من أبرز أسباب الاهتمام الكبير الذي تحظى به اللوحة داخل سوق الفن العالمية، حيث تجمع بين الندرة التاريخية، والقيمة الفنية، وقصة الاكتشاف والترميم، إضافة إلى احتمال احتوائها على عناصر سيرة ذاتية للفنان.

ولم تصل اللوحة إلى هذه المكانة بسهولة، إذ ظهرت عام 2014 في مزاد بمدينة كولونيا الألمانية بوصفها عملاً منسوباً إلى المدرسة الهولندية في القرن السابع عشر، وبيعت آنذاك مقابل نحو 1.5 مليون يورو. إلا أن سلسلة طويلة من الدراسات التقنية وأعمال الترميم أعادت تقييمها تدريجياً، إلى أن باتت اليوم تُعرض بوصفها عملاً أصيلاً لرمبرانت.

ويؤكد ألكس بيل أن القيمة الاستثنائية للعمل لا ترتبط فقط بإثبات نسبته إلى رمبرانت، بل أيضاً بما كشفته أعمال الترميم من تفاصيل أعادت إحياء رؤية الفنان الأصلية، وأظهرت عمقاً إنسانياً وفكرياً أكبر مما كان معروفاً سابقاً.

وتعكس قصة “دعوا الأطفال يأتون إليّ” واقع سوق أعمال الأساتذة القدامى، حيث نادراً ما تظهر أعمال مهمة لرمبرانت في المزادات العلنية، نظراً لاستقرار معظم إنتاجه في المتاحف والمجموعات الخاصة. لذلك، فإن ظهور عمل مبكر بهذا الحجم والطموح، مصحوباً بقصة اكتشاف وترميم استثنائية، يجعل منه حدثاً فنياً وسوقياً بارزاً.

وتأتي هذه العودة في وقت لا تزال فيه أعمال رمبرانت تحافظ على جاذبيتها الاستثمارية والفنية، بعدما سجلت إحدى رسوماته، بعنوان “أسد شاب مستريح”، رقماً قياسياً خلال مزاد أقامته سوذبيز في وقت سابق من هذا العام.

وفي نهاية المطاف، لا تمثل الملايين المنتظرة في مزاد لندن قيمة اسم رمبرانت وحده، بل تعكس أيضاً قيمة قصة فنية معقدة ظلت مخفية تحت طبقات من الطلاء لقرون، قبل أن تعيد أعمال الترميم طرح أسئلة جوهرية حول الفن والذاكرة وما يختاره التاريخ أن يبقيه ظاهراً أو مخفياً.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *