الرئيسيةأخبارضع هاتفك في جيبك، ودَع الكتب تمارس سحرها

ضع هاتفك في جيبك، ودَع الكتب تمارس سحرها

المكتبات في باريس

     إلى أكشاك بيع الكتب على الرصيف وهي تمتد على ضفاف نهر السين لثلاثة كلمترات، قادني مرشدي في العاصمة الفرنسية باريس المهندس أشرف الرواني في أول جولة لي إلى مناطق لها صلة بالثقافة والكتاب.وكنت همست له برغبتي الجامحة في زيارة مكتبات باريس والاطلاع على معالم وعوالم القراءة والكتاب واستقصاء فضاءاتها وعبقها الحضاري عبر العصور والأزمنة.  ولا أخفي متابعي صفحتي أن ذلك شكل  حلما جميلا راودني منذ كان نجلي إلياس طالبا في باريس . لكن اللافت في المسالة هوالسقوط المفاجئ  لمكتبة حفرة الليدو بفاس في ذاكرتي خلال هذه اللحظة وتنغيصها للمزاج  ولم أتخلص من معاناة الباعة وتوسلاتهم بالمناسبة وغيرها وبؤس الماسكين بزمام السلطة بفاس طوال الرحلة.  

   في زنقة شكسبير مقابل الرصيف المطل على نهر السين، تطالع الزائر هذه العبارة: ضع هاتفك في جيبك، ودَع الكتب تمارس سحرها. هذه المكتبة منطقة خالية من التصوير واستعمال الهاتف. شكراً لتفهّمكم ”  انتهى الاقتباس . والحقيقة التي يجب أن تقال هي أن مثل هذه العبارات القصيرة المعلقة أمام المكتبات بباريس تحمل أحيانا فلسفة كاملة حول علاقتنا بالقراءة، وكأنها تقول لنا إن الكتاب يحتاج إلى حضور ذهني ووجداني لا توفره شاشات الهواتف واللوحات الالكترونية المشتتة. وقد نجحت اللافتة أيضا في تحويل منع الهاتف من أمر إداري جاف إلى دعوة شاعرية رقيقة لسحر القراءة.

ولاشك أن هذه الأرصفة الخضراء المزدانة بأمهات الكتب والمراجع والمصادر واحدة من المعالم الثقافية والسياحية التي تزخر بها باريس،إنها تتيح  للسياح من مختلف الجنسيات اكتشاف عراقة الثقافة وأصالتها كتراث حضاري بالعاصمة الفرنسية . وتمتد الأكشاك الخضراء الداكنة بمساحة ما بين 3 وخمسة أمتار على مسافة تقارب الثلاث كلمترات تتنسم مياه نهر السين الهادئة في رحلة مع الزمن تشبه نفسها .

   وتجمع الكثير من المصادر أن بيع الكتب على الأرصفة المتاخمة لضفاف نهر السين يعود لأكثر من 450 عاما. وتعتبر تجارة الكتب القديمة في باريس مهنة نبيلة، كما هي وجهة للسياحة الثقافية التي تمثل إضافة نوعية للثقافة الفرنسية. كما تعد أكبر مكتبة في الهواء الطلق حيث تضم مابين 200 إلى   230 كشكا تشتغل طوال السنة. وهو ما يجذب الزوار والسياح الذين يرغبون في العثور على منتوج ثقافي قديم وبأسعار تكاد تكون رمزية مقارنة بأسعار المكتبات الجديدة، فضلا عن توفير بعض الطبعات النادرة من الكتب التي لم تعد متوفرة ولا تعرف طريقها نحو المطابع .  في هذه الأكشاك يمكن العثور على كتب تاريخية نادرة تعود لقرون مضت. وهي هنا تشبه باقي المعالم السياحية بعاصمة الأنوار التي تستقطب الاهتمامات المرتبطة بعالم الثقافة والأدب. إنه رمز ثقافي يستهوي الباحثين من مختلف مناطق الكرة الأرضية .

وعن مصادر الكتب وتوفرها هنا دون مكان آخر يقول أحد البائعين” أن لدى الكتبيين زبائن أوفياء من جامعي الكتب يأتون من مختلف أنحاء العالم يسألون عن عناوين كتب بعينها، لذلك فهذه المهنة تتيح إنشاء  علاقات إنسانية راقية ونبيلة بين الإنسان كإنسان . وتعزز التواصل والنقاش والحوار الثقافي الثري بما يفيد الباعة والزبائن على حد السواء. وكانت الجمعية الثقافية لباعة الكتب القديمة بباريس تقدمت بطلب من خلال وزارة الثقافة الفرنسية من أجل إدراج أكشاك الكتب القديمة على ضفاف نهر السين في باريس، على قائمة اليونسكو للتراث اللامادي، باعتبارها كنوزا معرفية ثقافية فريدة.

 بالنسبة لي كزائر عاشق ومتحمس لمدينة الأنوار. فقد شكلت زيارة أكشاك الكتب على الرصيف إضافة روحية وثقافية واجتماعية وإنسانية مهمة، في استحضار وتماهي دافئين مع وجود الفارق طبعا بين مكتبة حفرة الليدو بفاس التي نبتت خارج السياق في قلب نهر جاف. وأكشاك ضفاف نهر السين المشحونة بعبق التاريخ.

ومادام الشيء بالشيء يذكر فقد روي أحد الباريسيين أن فكرة تثبيت الأكشاك بمرسوم وزاري للدولة الفرنسية تعود للرئيس   فرانسوا متران  الذي كان يهوى المطالعة وصادف أن قرارا سيصدر بإجلائهم إلى مكان آخر مما حدا به إصدار قرار يقضي بتثبيتهم. ويبدو أن بعض الباعة مؤخرا  يواجهون مشاكل ويعانون من أزمات أزمات أحيانا بسبب الأحوال الجوية بحيث لم يعودوا يفتحون أكشاكهم إلا نادرا.

في السياق ذاته،وتدرس بلدية باريس البحث عن متخصصين لزويد الأكشاك بالكتب من أجل الحفاظ على استمرار أكبر مكتبة في الهواء الطلق في العالم هذا إضافة إلى دعم باريس طلبا تقدم به بائعو الكتب من أجل الانتساب إلى التراث العالمي غيرالمادي لليونيسكو عمره أكثر من 450 عاما.

   في هذا الصدد فاطمة لكعوب أستاذة مادة الفرنسية بإعدادية زياد بنسليمان المغرب ” أن القراءة والكتاب يحظيان بمكانة مقدسة لدى الفرنسيين. وغالبًا ما تُنظر إلى فرنسا باعتبارها أمة أدبية تولي أهمية كبيرة للكتّاب والمكتبات ودور بيع الكتب. فالكتاب يحتل مكانة محورية في المدرسة، وفي الحياة الفكرية، وفي النقاشات الثقافية. وحتى مع انتشار الشاشات والتقنيات الرقمية، لا يزال الكثير من الفرنسيين متشبثين بالقراءة، لأنها بالنسبة إليهم ثقافة وتأمل ومتعة للهروب من رتابة الحياة.

عزيز باكوش    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *