الرئيسيةأعمدةعبد الكريم برشيد: حدود المعنى في الكتابة والقراءة

عبد الكريم برشيد: حدود المعنى في الكتابة والقراءة

عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
في هذا البدء الجديد، وليس في كل كتاباتي إلا هذا البدء الجديد و المتجدد، اجد من الضروري ان اشير إلى انني قد اخذت هذه الصورة ( المطربشة) من صديقي واخي السي عبد الرحيم التوراني، وذلك من مجلته الإلكترونية ( السؤال الآن) ولقد وجدت ان هذه الصورة هي احسن صورة وابلغ صورة يمكن ان تستقبل بها العيد، وهي تمثل فعل التعييد الاحتفالي احسن تمثيل، وهل يمكن ان يكون للاحتفالية معنى خارج وجودنا نحن ـ الآن – هنا ؟
وانا اليوم، ومن خلال هذا النفس الجديد، في هذه الكتابة الاحتفالية الجديدة، اقول لكل المؤمنين بالاحتفال، وبالحق في الاحتفال، اقول لهم:
عيد مبارك سعيد احبتي، ودامت لكم في ايامكم وفي
لياليكم ساعات الفرح الصادق
اقول كلمتي هذه، واضع نقطة في نهاية السطر، وأعود الى بداية السطر الذي يليه، لأواصل فعل الحفر وفعل البناء في الأرض الاحتفالية المباركة والسعيدة
وفي فاتحة هذا الكلام اقرب اليوم ما يلي:
انا الكاتب الاحتفالي، ماذا فعلت، وماذا قدمت، وماذا تصورت، وماذا ابدعت، سوى انني، طوال مسيرة حياتي، قد قلت كلامي، و أنني قد كتبت كتاباتي، بحبر دمي، ومن محبرة روحي و وجداني، وانني قد وضعت كلماتي وعباراتي في رسالة، و بعثت بها الى كل الناس، في كل زمان ومكان، وفي تلك الكلمات والعبارات خبأت المعنى في المبنى، وقلت ( الله يجيب اللي يفهمنا، وان يفهمنا فهما صحيحا وسليما وكفى)
وقبل ذلك، فقد دعوت ربي بالصوت العالي، ورددت دعاء موسى عليه السلام في سورة طه وقلت ( .. رب اشرح لي صدري ويسر لي امري و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) ولقد استجاب لي ربي في كل شء، وبقي شيء واحد، وهو ان يفقه الناس قولي، لأنه لا معنى ان تنتج المعنى، في وطن اللامعنى، وإذا انت لم تجد في الناس من يفهم المعنى، ولم تجد من يفسر المعنى، ولم تجد من يؤول المعنى تاويلا صحيحا
ولقد فهم البعض ما قلت وما كتبت، وبقيت البقية مصرة على ان لا تفهم شيئا مما قلت ومما كتبت ومما تخيلت ومما ابدعت
وفي هذه الرسالة إلى الإنسان بحثت عن معنى الإنسان في الإنسان، وبحثت عن معنى الحياة في الحياة، و تساءلت مع شاعر ابركان ذعبد العزيز ابو شيار، وقلت معه:
وكيف يكون للإنسان معنى
اذا فقدت معانيها الحياة؟
وهل هو صحيح ما قالت العرب، من ان المعنى موجود في صدر الشاعر او في قلب الكاتب، وان معنى ما يكتبه وما يقصده الكاتب او الشاعر لا يمكن ان يفهمه إلا هو؟
وهل هو ضروري ان نقبض على المعنى الأوحد الذي قصده الكاتب او الشاعر ، وان لا نعطي من عندنا ومن بيئتنا ومن مناخنا الثقافي ومن شبابنا التاريخي معاني اخرى جديدة؟ معاني لا تخون المعنى الأول، وقد تغني المعنى القديم بالمعنى الجديد، وتضيف للكتابات القديمة قراءات جديدة؟
وبالنسبة للاحتفالي فإن أخطر كل المعاني في وجودنا هو معنى وجودنا، ولا شيء اخطر ان نوجد من غير ان نعرف معنى وجودنا، وان تحتفل من غير لماذا نحتفل، وان نسافر من غير ان نعرف لماذا نسافر، وفي الطب النفسي هناك العلاج بالمعنى
إن وجود الأحياء في الحياة هو الذي اعطي لكل شيء معنى، ولولا وجودنا في الحياة ما كان لأي شيء في هذه الحياة معنى، ونحن الذين نعطي للجمال معناه، ونعطي للقبح معناه، و نعطي للحقيقة معناها، ونعطي الأيام والليالي معناها، ونعطيها قيمتها بعد ذلك
وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي، كيف يمكن ان يفهمني الناس، اذا كنت انا نفسي لا افهم نفسي؟ وفي كثير من الاحيان اخدع نفسي بنفسي، من حيث تدري او لا ادري
وفي مجال فهم المعنى، هناك من يرتفع في فهمه كما يرتفع الصقر عاليا في السماء، وهناك من يرتفع فقط كما يرتفع الدخان في الهواء،
وما اكثر الدخان المرتفع في كثير الحالات الفكرية والإبداعية
وفي تقديمه الصادق والأمين والجميل لكتاب ( المعنى الأدبي بين خصوصية التشكيل ورهان الفهم والتاويل) للدكتور الحبيب مغراوي، يقف الدكتور محمد ازهري في التقديم على نعم الله الكثيرة على الإنسان والتي منها:
( نعمة الفهم ـ حسب الوسع والقدرة ـ لما تركه لنا ذوو العلم
ــ ونعمة إدراك المعنى الكامن في المبنى
ــ ونعمة القدرة على التأويل، بحسب ما قرره العلماء المستحقين للتعظيم والتبجيل
ــ و نعمة العون الرباني لنا لخدمة العلم والعلماء، والأساتذة الفضلاء، والطلبة الأعزاء، و عموم القراء، في السراء والضراء، ووقت الرخاء و الوباء)
كاتبان وكتابان والف الف معنى
وبالتاكيد فإنه لا شيء اجمل من ان تعود من السفر، وانت تفيض فرحا ومعك كتابان، الأول هو كتاب ( المعنى الأدبي بين خصوصية التشكيل و رهان الفهم والتاويل) للاستاذ الدكتور الحبيب مغراوي، اما الكتاب الثاني فهو
( المسرح العربي وسلطة القول) حوارات على هامش التحولات ـ وذلك عن مطابع طابع النجاح الجديدة بالدار البيضاء، وهذا الكتاب الجديد، في رؤيته وفي لغته وفي بنيته هو جديد المسرحي الجديد والمجدد الدكتور محمد الوادي
وفي هذا الكتاب الأخير يحضر مفهوم الكتابة الاحتفالية الحيوية بشكل واضح، ويتاكد لنا، مرة اخرى، بان الكتابة الحقيقية لا تكتب كتابة آلية ميكانيكية، ولكنها تنكتب بفعل قوة الحياة وبفعل حيوية الحياة، وبهذا نجد هذا الكاتب الاحتفالي، المؤمن بالكتابة الحيوية، يحرض المسرحيين المغاربة والعرب على ان يخرجوا من دائرة الصمت إلى دائرة القول. وان يجعلوا هذا المسرح يتكلم وينكتب من خلال المسرحيين،
ود. محمد الوادي هو الاحتفالي الذي ينطق في كلامه، و ينطق حتى في صمته، وبخصوص هذا الكتاب ( المسرح العربي وسلطة القول) حوارات على هامش التحولات ـ يقول د. نور الدين الخديري في التقديم بانه بشكل ( وثيقة حية لذاكرة المسرح المغربي والعربي على حد سواء، وذلك من خلال تقنية الحوار، باعتباره منهجا يسعف على تزويدنا بعصارة قول يصير بفعل السؤال، مرجعا، يؤرخ لمعطيات ثقافية واجتماعية وسياسية داهمت الفعل المسرحي، أو تولد في سياقها منتج مسرحي بعينه، في سياقات محددة، وتاريخ مخصوص، لا شك سيكون ضاجا بالأسئلة، ويتطلب بالضرورة تلقيات، تستوعب ما يطرا عليه من تحولات، إما تزيده مناعة، وممانعة من اجل البقاء والاستمرار، و إما تعصف بوجوده، فيصير عرضة التهميش و الإقصاء)
وما يقوله د. نور الدين الخديري عن الكاتب والكتاب، فإنه يقوله عن معرفة، وعن معايشة، وعن خبرة بتاريخ المسرح المغربي والعربي، و يقوله عن عشق ساق للمعنى
ولعل اهم ما يميز هذا الكاتب المجدد في كتابه الحديد، هو انه لا يبحث في المسرح المغربي والعربي عن معنى واحد، ولو انه كان يبحث عن معنى واحد فقط، لاكتفى بسؤال مسرحي واحد، وذلك في موضوع واحد، ولكنه كان يبحث عن المعاني المتفرقة في نفوس و ارواح كل المسرحيين المغاربة والعرب، والتي تحتاج لان تجد لها موقعا تحت الشمس
وسوف نجد هذا البحث عن المعانى، وليس عن المعنى الواحد الأوحد، في اول حوار في الكتاب، وفي اول سؤال فيه، والذي هو السؤال الموجه الى الاحتفالي، وفيه نقرا ما يلي:
( ـ الدكتور عبد الكريم برشيد واحد من الأسماء الكبيرة التي شيدت صرح المسرح العربي كتابة وتنظيرا ودرسا، وواكب كل التحولات التي شهدها العالم في عصرنا الراهن، كيف تقرأون هذا الواقع في ظل التحولات الراديكالية؟)
وفي الجواب يقول الاحتفالي:
( ينبغي أن يعرف الجميع أن أجمل وأصدق ما في الاحتفاليين، والذي أنا واحد منهم، هو إصرارهم السيزيفي على الحضور وعلى المواجهة وعلى الثقة بالنفس وعلى الشغب الفكري وعلى الكبرياء الفكري، وعندما تختار فكرة، وتختارك هي، وينشأ بينكما عشق صوفي، وتقتنع بها لحد الإيمان، فهل يمكن أن تنكسر؟ بالتأكيد لا يمكن
إن كل هذا الذي أعطيته، لحد الآن، لم يكن فعلا سحريا خارقا للعادة، كما أنه لم يأت نتيجة مخطط ما، أو بدعم وبتزكية من جهة ما، وهو بالأساس جهاد ومجاهدة، وكشف ومكاشفة، وهو نتيجة إصرار سيزيفي على الحضور وعلى التحدي وعلى (اقتراف) السؤال العلمي والفكري، ولقد جاء كل هذا بشكل عفوي، وقد يكون للشروط التاريخية دور في هذا، وقد يكون للمناخ الثقافي، عربيا ودوليا، دور آخر، وقد تكون للصدفة الموضوعية نصيب في كل هذا الذي كان، والذي يكون، والمهم، أنني قرأت اللوح المكتوب كما ينبغي أن يقرأ، واستظهرته أمام الله وأمام عباد الله وأمام التاريخ
إنني أنا الاحتفالي أومن بالكتابة الحيوية، وأؤكد دائما على أنه لا وجود لكاتب يكتب وحده، وذلك لأن القارئ يكتب معه، من حيث يدري أو لا يدري، واللحظة التاريخية تكتب معه أيضا، وأنا أنتمي إلى جيل فتح عينيه على وطنه مستعمرا، وعاش النكسة الحزيرانية، وعاش حلم الوحدة العربية وانتكاستها، وعاش القضية الفلسطينية وكل قضايا التحرر في العالم، وبهذا فقد كان ضروريا أن يكره هذا الواقع المأتمي، وأن يبشر بواقع أخر مختلف ومغاير، واقع احتفالي وعيدي، وأن ينحاز إلى الحرية والتحرر وإلى الإنسان والإنسانية وإلى الحياة والحيوية وإلى المدينة والمدنية وإلى الحق والحقيقة وإلى الصدق والمصداقية
إن وجود كاتب معتز بإنسانيته وبحريته وبكرامته وبلغاته وبثقافته، ويعشق الكتابة، والتفكير فيها بصدق، ويتفاعل مع محيطه الاجتماعي والسياسي والثقافي بجدية، ويتحاور مع قضايا الساعة، فإنه لا يمكن أن يكون إلا كما هو اليوم، وأن يكون احتفاليا حتى النخاع، وأن يكون مسرحه احتفاليا أيضا، وأن تكون فلسفته في حياته اليومية احتفالية، تماما كما هو هذا الاحتفالي اليوم، وكما كان من قبل، وكما يمكن أن يكون من بعد، ولقد كان ضروريا أن يكون له هذا الحضورـ وهذه المساهمات الفكرية والجمالية، وكل هذه المواجهات والمصادمات دفاعا عما أسميته أنت ( صرح المسرح العربي)
في المخاطرة الاحتفالية كثير من النجاة
في كتاب ( الرحلة البرشيدية) يقول الباحث المسافر، والمتجه صوب المدينة الاحتفالية، بحثا فيها عن المعنى وعن روح المعنى وعن معنى المعنى، يقول لنا الاحتفالي ما يلي:
(أنا لم أصل إلى هذه المدينة بسهولة، ولو كان هذا الرحيل سهلا ما (اقترفته) ولعل أجمل ما فيه هو أنه مخاطرة، وفي كل مخاطرة شيء من ظلال الموت وشيء من ضوء النجاة، وفي الطريق إلى مدينتي مررت بمدن كثيرة، ووقفت عندها قليلا ثم عبرتها، ولم أقم فيها، لقد مررت بمدينة الفارابي الفاضلة، ودخلت جمهورية أفلاطون، ولم أقم فيها إلا ليلة واحدة، وبعد ذلك طردوني بحجة أنني شاعري الروح وشاعري الوجدان، ونزلت إلى مدينة أطلنتيد في قعر المحيط الأطلسي، فوجدتها مدينة تتنفس تحت الماء، و استحال علي أن أعيش تحت الماء)
وهذا الاحتفالي المسافر، قادته طرق الاحتفالية إلى كثير من العواصم الثقافية العربية، الغنية بالمعنى الشعري و الفلسفي، ولقد قادته خطوات عبد السميع وزوجنه الخامسة الى المسرح الوطني التونسي سنة 1983، وقام المخرج الاحتفالي التونسي عبد الغني بن طارة رحمه بإخراج مسرحية ( اسمع يا عبد السميع) وكان بذلك أول من اخرج هذه الشخصية المسرحية من العالم المتخيل إلى العالم المحسوس، وطاف بها كل مدن و قرى تونس، وحضر بها مهرجان دمشق المسرحي، ثم بعد ذلك قدم لي المخرج المسرحي التونسي كمال العلاوي مسرحية ( امرؤ القيس في باريس) مع المسرح الجهوي لمدينة صفاقص، ومثل بها تونس في الدورة الأولى لأيام قرطاج المسرحية، ولقد اسعدني في الأيام برسالة منه يوصيني فيها بالباحثة الشابة رحمة الغربي، والتي جاءت المغرب وهي تحمل اسئلة كثيرة عن الاحتفالية، وفي كلمته يقول
(أستاذنا وصديقنا عبد الكريم تحية اخوية من تونس التي احبتك ولا تزال من خلال ما تعلموه منك و عرفوه عنك من البحوث المسرحية و الكتابات القيمة، وقد اخذنا منها الكثير وما زلنا، فهي تنير طريقنا نحو مسرح عربي يجب أن نحرره من القيود و التبعية الغربية بشيء من التروي هو الموضوعية)
وهذا الاحتفالي الحر، الكاره للتبعية، ليس له في مجال التفكير والإبداع طريق واحد، وهل يعقل ان نختزل كل الطرق المتعددة في العالم، وان نحصرها في طريق واحد اوحد؟
هو مؤمن بان كل الطرق الاحتفالية تؤدي حتما إلى الاحتفالية، وان كل طرق هذه الاحتفالية تؤدي إلى الإنسان الإنسان، وتؤدي إلى الحياة، وتؤدي الى المدينة الفاضلة، وتؤدي الى الجمال، وتؤدي إلى الحق والحقيقة، وبالنسبة إلينا، في الحركة الاحتفالية، فان اجمل واكمل وانبل كل الطرق هي التي تنطلق منا لتعود الينا، واعلم بان كل طريق لا يذهب بك اليك، بانه ليس طريقك الحقيقي، وعليك ان تبحث عن غيره، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي
لا مذهبية في الاحتفالية، وكل المذاهب إلى زوال، ووحدها الحقيقة باقية، ووحده الجمال، في النفوس وفي الأرواح وفي العلاقات وفي البنيات، هو ما يمكن ان يبقى، وهو ما يمكن يقنع عقليا، وان يمتع جماليا
كل الطرق الاحتفالية تؤدي إلي الجمال الاحتفالي
والطريق في الأيام الأخيرة كان باتجاه مدينة بني ملال، وتبدا عادة متعة السفر من النية في السفر، ومن عشق هذا السفر، ومن ايجاد الرفيق في طريق السفر، وهل حياتنا إلا سفر بعد سفر سفر بعد سفر .. إلى ما لا نهاية؟ وهذا ما اكد عليه د. محمد الوادي، والذي اقتسمت معه متعة السفر الاحتفالي في الكون الاحتفالي، والذي هو سفر في الذات الغنية والعاشقة للجمال والكمال، وفي تعقيبه على ما كتبت في المقالة السابقة، واقول السابقة، ولا اقول الأخيرة، لأن هذه الكلمة ترعبي، ولقد قال لي د.محمد الوادي:
(كان السفر معك د. برشيد ممتعا من الدار البيضاء إلى بني ملال، ومنها في طريق العودة إلى البيضاء, ليست فقط رحلة في الزمان ومن مكان إلى آخر، بل رحلة في الذات والذاكرة المشتركة و القواسم و الهواجس والاحتفالية المشتركة. استمتعت بالسفر معك, كما استمتعت من قبل بتقديم نص (يا مسافر وحدك) واستمتعت وأنا أشارك في ندوة علمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال بمداخلة حول هذا النص الجميل الذي صيغ بخلفية فلسفية وصوفية وثقافية. في الكلية والمدينة التقينا بأصدقاء من عيار إخر ومن طينة أخرى ومن معدن خالص: سي محمد أبو العلا الصديق الصدوق والمبدع المميز والباحث والمدارس المتفرد والدكتور العلوي والدكتور الحبيب مغراوي, وكان معنا طبعا في المنصة الباحث الواعد الحسين رحاوي، والعديد من الأوفياء للفعل الثقافي)
نعم، هو السفر لا يمكن ان يكون سفرا حقيقيا إلا إذا كان في طريق حقيقي، وكان بصحبة رفيق حقيقي، وكانت وجهته وجهة حفيقية،
وفي تعقيبه، يقول د. محمد ابو العلا، والذي هو احد السائرين معنا في طريق الجمال والكمال والخيال، يقول :
(هكذا أنتم سي عبد الكريم قبل اللقاء وأثناءه وبعده، كلماتك كرم وحدب، كلمات ستحتفظ بها المدينة التي أرخت لها بجعلها تجاور المدن التي سكنت قلبك، مثلما سكنت أنت قلوب أهلها، تحية لك)
ولعل اكبر اكتشاف في هذه الرحلة، او في هذا الحج المقدس إلى جانب قدسية الكلمة الشعرية والى جانب قدسية الفكرة الصادقة، هو الأستاذ الحسين الرحاوي، والذي يقنعك صمته قبل ان يقنعك كلامك، وفي تعقيبه على احتفالية اللقاء في مدينة بني ملال يقول ما يلي
(كل شيء يفيض، روحكم العفيفة كمرآة عاشقة وصقيلة، لا يفلت منها شيء، تفاصيل الجمال، ونبضات المحبة..
لم يكن لقاء، بل حدثا كاملا، وحضوركم أستاذنا الجليل يضيف لبني ملال سحرا على سحر، وجمال على جمال.. هذا النص الوثيقة ، أو النص القصيدة هو مديح يشرفنا هنا جميعا.. وفتح الآتي على الفرح الهائل، دام عزك و مجدك)
وفي اخر هذا الكلام يقول الاحتفالي ما يلي :
إن هذا الواقع لا يمكن أن يعطيك إلا بمقدر ما تعطيه أنت، وأنا أعطيت هذا الواقع الثقافي والمسرحي زهرة عمري، وأعطيته كل وقتي، وكنت فيه مفكرا ومتكلما وحاضرا ومحاضرا ومبدعا وسائلا ومتسائلا وباحثا ومجتهدا ومشاغبا ومناضلا ومكتشفا ومؤسسا ومشككا ….

هذا الواقع إذن، لا يوجد في المطلق، ولكنه يوجد الآن هنا، بنا وفينا ومعنا، ونحن معه في علاقة جدلية دائمة ومتجددة، ونحن نصنعه ويصنعنا، ونكتبه ويكتبنا، وبالتأكيد فإن هذا الواقع لن يتغير إلى الأحسن إلا إذا تغيرنا نحن، و غيرنا كسلنا المعرفي بالجد و بالاجتهاد، ولقد اشعرتتي رحلاني إلى كثير من المدن المغربية بان جذوة الاجتهاد الفكري والعلمي والتخييلي مازالت متقدة، وانه بذلك لا خوف على المستقبل الفكري والجمالي، وان الجيل الجديد في الفعل الثقافي قد حضر فعلا.. ومن يمكن ان يقول العكس؟

عبد الكريم برشيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *