مجلة طنجة الأدبية الموقع الأدبي والثقافي الأول داخل العالم العربي، يتم تحديثه على مدار 24 ساعة ويفتح المجال لكل المبدعين في شتى أنحاء العالم للتعريف بأعمالهم الأدبية و الفنية من قصة، شعر، زجل، رواية، دراسة، نقد، مسرح، سينما، تشكيل، كاريكاتير، موسيقى، حوارات و إصدارات
الرئيسية ⁄ أخبار ⁄ شعر الومضة وتحولات العاطفة: مقاربة في نصوص الشاعرة ميادة مهنا سليمان
شعر الومضة وتحولات العاطفة: مقاربة في نصوص الشاعرة ميادة مهنا سليمان
تمهيد
تندرج تجربة الشاعرة السورية ميادة مهنا سليمان ضمن أفق شعري حديث، يتكئ على اقتصاد اللغة وكثافة الدلالة، فيما يعرف بشعر الومضة. غير أن هذا الشكل الموجز لا يعني ضمور المعنى، بل يتيح انفجارا دلاليا يجعل من النص القصير مجالاً رحبا للتأويل. وتقوم هذه التجربة على تحويل التجربة العاطفية إلى أثر لغوي، حيث تتداخل الذات بالآخر، ويتحول اليومي إلى شعري. العنوان بوصفه عتبة دلالية
يحمل عنوان: “يخلق من الشبه ياسمين” شحنة رمزية تقوم على مفارقة دقيقة بين الشبه والخلق. فالشبه لا يقود إلى التكرار، بل يصبح منبعاً لإنتاج الجمال، بينما يحضر الياسمين بوصفه رمزا للذاكرة والعطر والهوية. بذلك، يؤسس العنوان لرؤية تجعل من الحب قوة خلاقة تعيد تشكيل العالم. الإهداء واستعادة الجذور
في الإهداء إلى دمشق، تستحضر الشاعرة المكان بوصفه أصل التكوين الوجداني، حيث تتحول الطفولة إلى نسيج حي، ويتحول الياسمين إلى مرجعية جمالية. ومن هنا، يغدو النص امتداداً لذاكرة متجذرة، لا انفصالا عنها. بنية الومضة وآليات الاشتغال
تعتمد الشاعرة على تقنيات أساسية، من بينها الانزياح الدلالي، والمفارقة، وتكثيف الصورة. فالعطر يتحول إلى حضور عاطفي، والغياب إلى كائن مفترس، واللغة اليومية إلى طاقة شعرية. وهكذا، تقوم الومضة على لحظة كشف، تنقل المعنى من المباشر إلى العميق. تمثلات الأنوثة والعلاقة بالآخر
تظهر الأنوثة كقوة ناعمة قادرة على التأثير دون صدام، فيما تتجلى العلاقة بالآخر في شكل تماه وجداني، حيث يتحول الحبيب إلى وطن، وإلى مرآة بديلة ترى الذات من خلالها حقيقتها. الحقول الدلالية وبناء المعنى
تنهض نصوص الشاعرة على شبكة من الحقول الدلالية المتداخلة، التي لا تعمل بوصفها وحدات مستقلة، بل بوصفها نظاماً رمزياً يعيد إنتاج المعنى داخل كل ومضة. فالعطر، مثلاً، يتجاوز دلالته الحسية ليصبح علامة على حضور الآخر في الذات، حضور خفي لكنه ممتد، يشي بأن الحب طاقة تسكن اللغة والجسد معا.
أما القلب، فيتمركز بوصفه بؤرة الإدراك الوجداني، حيث تُعاد صياغة العالم وفق معيار العاطفة، لا وفق منطق العقل. ومن خلال هذا القلب، تتشكل علاقة خاصة مع اللغة، تجعل من القصيدة وسيطا لا للتعبير فقط، بل للفعل والتأثير، إذ تتحول إلى أداة اختراق وعبور نحو الآخر.
وفي مقابل ذلك، تفقد المرآة وظيفتها التقليدية كأداة للانعكاس، لتحل محلها القصيدة بوصفها مرآة داخلية تكشف العمق لا السطح. كما يحضر الصباح بوصفه لحظة تأسيسية، تعاد فيها صياغة العلاقة مع العالم من خلال إيماءة لغوية بسيطة، لكنها مشحونة بالدلالة.
أما الوطن، فيغادر معناه الجغرافي ليتموضع داخل الحقل العاطفي، حيث يُختزل في الحبيب، بما يعكس انتقالا من الانتماء الخارجي إلى الانتماء الداخلي. والأنوثة، بدورها، لا تقدّم كصفة شكلية، بل كطاقة تأثير قادرة على إعادة تشكيل الآخر.
إن تفاعل هذه الحقول يخلق بنية دلالية متماسكة، تتحرك فيها الذات بين الحضور والغياب، وبين الواقع وإعادة تخيّله، مما يجعل النص فضاءً رمزياً مفتوحاً على احتمالات متعددة للقراءة. البعد النفسي للتجربة
تعكس هذه البنية الدلالية حالة نفسية قائمة على التماهي العاطفي العميق، حيث تذوب الذات في الآخر إلى حد يصبح معه الحبيب مرجعاً للوجود. غير أن هذا التماهي لا يخلو من توتر، إذ يتقاطع فيه الامتلاء العاطفي مع قلق الغياب، فتتشكل حالة تجمع بين اللذة والألم.
كما تكشف النصوص عن حساسية مفرطة تجاه التفاصيل، تجعل من اليومي مادة شعرية قابلة للتحول. وهذه الحساسية تمثل آلية إدراك جمالي، لا مجرد انفعال عابر، إذ تمكّن الشاعرة من إعادة بناء العالم عبر اللغة.
ومن جهة أخرى، يظهر نزوع إلى تحويل الألم إلى صورة جمالية، بحيث لا يُقدَّم بوصفه معاناة مباشرة، بل كتجربة قابلة للتأمل. وهكذا، يغدو الشعر فضاءً لإعادة تشكيل الذات، لا مجرد تعبير عنها. خاتمة
تقدم ميادة مهنا سليمان تجربة شعرية لافتة في مجال شعر الومضة، حيث تنجح في تحقيق التوازن بين الاختزال والعمق، وبين البساطة والثراء الدلالي. إن نصوصها، رغم قصرها، تفتح أفقا واسعا للتأويل، وتؤكد أن الشعر الحقيقي لا يقاس بطوله، بل بقدرته على إحداث الأثر.
وهكذا، تكتب الشاعرة نصوصا تظل عالقة في الوجدان، مثل عطر خفيّ… لا يرى، لكنه لا يغيب.
عدنان مشهي