في عمل أدبي جديد يمزج بين أجواء الأسطورة وملامح التاريخ، أصدرت الكاتبة والإعلامية المغربية منية بالعافية روايتها “عيشوا لأجل آلهتكم” عن المركز الثقافي للكتاب لسنة 2026، مقدمة تجربة سردية تتعمق في أسئلة الإنسان وصراعات السلطة داخل بنية رمزية مشحونة بالدلالات.
تأخذ الرواية القارئ إلى عالم “إيغود”، وهو فضاء يبدو في ظاهره هادئًا ومستقرًا، أشبه بواحة مثالية، لكنه يخفي في عمقه اختلالات اجتماعية حادة، حيث تُوزع الخيرات بشكل غير عادل، وتُرسم مصائر الناس منذ لحظة الميلاد، فيتحول هذا الهدوء الظاهري إلى قناع لواقع قائم على التفاوت والقهر.
في قلب هذا العالم يبرز “ماسين”، سياف المنطقة، الذي يعيش مفارقة وجودية قاسية؛ فهو يحمل السيف في زمن يُفترض أنه زمن السلام. ومن خلال رحلته الداخلية، تكشف الرواية تحولات نفسية بطيئة تتشكل عبر تراكم الخيبات اليومية، حيث لا يولد التمرد فجأة، بل ينمو تدريجيًا في صمت شديد.
وتنجح منية بالعافية في رسم صورة دقيقة للإنسان حين يواجه حدود واقعه، وكيف يمكن للأنظمة المستقرة ظاهريًا أن تُنتج في عمقها بذور الانفجار. فالحرب، كما توحي الرواية، لا تنشأ دائمًا من الفوضى، بل قد تتولد من قلب نظام يبدو متماسكًا ومسيطرًا.
بلغة مشحونة بالتأمل والإثارة، تفتح الرواية أسئلة وجودية حول العدالة والمصير، وتقدم صورة رمزية لـ”السيد” المتحكم في الأعلى، الذي يدير توازنات العالم ويستفيد من انتظارات البسطاء وهشاشتهم، في مشهد يعكس علاقة معقدة بين السلطة والخضوع.
ولا يأتي هذا العمل بمعزل عن المسار الإبداعي للكاتبة، فهي الأكاديمية الحاصلة على دكتوراه من جامعة السوربون بباريس، والمخرجة التي اشتغلت على الصورة والكتابة معًا، وراكمت تجربة غنية بين البحث السوسيولوجي والنصوص المسرحية.
وقد سبق أن أصدرت أعمالًا متعددة بالعربية والفرنسية، من بينها دراسات حول “المرأة في الأمثال الشعبية”، ونصوص مسرحية مثل “أزواج وأقنعة” و”خارج الأسوار”، كما حازت جوائز أدبية وإعلامية بارزة، من بينها جائزة نازك الملائكة وجائزة الصحافة العربية بدبي.
وفي “عيشوا لأجل آلهتكم”، تعود منية بالعافية لتؤكد حضورها كصوت أدبي يلتقط التحولات العميقة من التفاصيل الصغيرة، ويعيد مساءلة الإنسان في علاقته بالسلطة، والقدر، والبحث الدائم عن معنى العدالة.
طنجة الأدبية

