ودروس الحرب على إيران في زمن الصورة بدل القوة
في لحظات التحول الكبرى في الإقليم، لا تكشف الحروب فقط ميزان القوى العسكري، بل تكشف قبل ذلك بكثير ميزان العقول، وطريقة بناء الدولة، ومعنى القوة نفسه. وما يمكن تسميته بـ“الحرب الثانية على إيران” — كرمز لتصاعد التوترات الإقليمية وتعقد شبكات القوة في المنطقة — لم يكن حدثًا منفصلًا، بل مرآة واسعة عكست طبيعة النظام العربي والإقليمي في تعامله مع مفاهيم السيادة، والمعرفة، والصورة.
وهنا يعود المثل القديم ليبدو أكثر حداثة من أي وقت مضى:
“ما حك جلدك مثل ظفرك”.
ليس بوصفه حكمة فردية، بل كقاعدة حضارية: لا يمكن لأي مجتمع أن يفهم نفسه أو يدافع عن مصالحه أو يصوغ مستقبله عبر أدوات مستعارة بالكامل من الخارج، ثم يتوقع أن تكون له سيادة كاملة على نتائجه.
أولًا: من القوة الصلبة إلى “قوة الصورة”
خلال العقدين الأخيرين، دخلت المنطقة العربية في تحول عميق:
- توسع كبير في الاقتصاد الخدمي والسياحي
- صعود الإعلام الرقمي ومنصات التأثير
- تضخم حضور “الواجهة” في السياسة والاقتصاد والثقافة
- بروز الشخصيات السريعة الانتشار كجزء من المشهد العام
هذا التحول لم يكن سلبيًا بحد ذاته، لكنه خلق خللًا تدريجيًا في ترتيب الأولويات:
أصبحت القدرة على الظهور أسرع من القدرة على الإنتاج، وأصبح الانطباع أحيانًا أهم من البنية.
في هذا السياق، لم تعد القوة تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بما يُرى ويُسوَّق.
ثانيًا: اقتصاد الانتباه وإعادة تشكيل الوعي
التحول الأخطر لم يكن اقتصاديًا فقط، بل معرفيًا:
- الخوارزميات صارت تحدد ما يظهر وما يختفي
- التفاعل صار معيار القيمة
- السرعة أصبحت بديلًا عن العمق
- الصورة أصبحت أقوى من التحليل
وهكذا تشكل ما يمكن تسميته:
“اقتصاد الانتباه” الذي يعيد ترتيب الأولويات دون قرار سياسي مباشر؛ في هذا الاقتصاد، لا يُقصى العلم مباشرة، لكنه يُزاح تدريجيًا لصالح المحتوى الأكثر سرعة وانتشارًا.
ثالثًا: الكفاءات بين التهميش والاستنزاف
في قلب هذا التحول، برزت قضية أكثر خطورة: هجرة العقول.
الكفاءات العربية في مجالات:
- الطب
- الهندسة
- الذكاء الاصطناعي
- البحث العلمي
- الاقتصاد التطبيقي
تجد في الخارج:
- بيئة بحثية مستقرة
- تمويلًا طويل المدى
- منظومات إنتاج معرفة متكاملة
بينما في الداخل، غالبًا ما تصطدم بـ:
- ضعف ربط البحث بالتطبيق
- محدودية الاستثمار في الابتكار
- تذبذب الأولويات التنموية
النتيجة ليست فقط هجرة أفراد، بل:
انتقال جزء من القدرة الإنتاجية العربية إلى أنظمة أخرى تُحوّلها إلى قوة تكنولوجية واقتصادية وسياسية تراكمية.
رابعًا: من استقطاب الكفاءة إلى استعراض الواجهة
في بعض السياسات الحديثة للاستقطاب، ظهر اختلال واضح في المعايير:
- تركيز على الشخصيات ذات الحضور الإعلامي
- الاهتمام بالرموز السريعة التأثير
- تفضيل “اللافت” على “المنتج”
في المقابل، بقيت الكفاءات الحقيقية أقل حضورًا في أدوات الجذب والاحتضان.
وهنا يحدث الانزلاق:
عندما تُدار التنمية بمنطق الصورة بدل منطق الإنتاج، تتحول السياسات من بناء قوة إلى بناء واجهة.
خامسًا: دروس الحرب ككاشف لا كحدث
الأزمات الإقليمية الكبرى — ومنها التصعيدات المرتبطة بإيران — تكشف دائمًا حقيقة بسيطة:
- من يملك التكنولوجيا يملك هامش القرار
- من يملك المعرفة يملك القدرة على التكيف
- من يملك الإنتاج لا يحتاج إلى استيراد شروط بقائه .
في المقابل، الاقتصادات التي تعتمد على:
- الاستهلاك
- الصورة
- الخدمات السريعة
- أو المعرفة المستوردة فقط ،
تجد نفسها في موقع أكثر هشاشة عند الأزمات الكبرى.
سادسًا: المفارقة العربية
المفارقة العميقة ليست في غياب الموارد، بل في ترتيب استخدامها:
- ثروات مالية كبيرة في بعض الدول
- قدرات بشرية ضخمة
- موقع جغرافي استراتيجي
لكن في المقابل:
- ضعف نسبي في إنتاج المعرفة
- استمرار هجرة العقول
- فجوة بين التعليم وسوق الابتكار
وهنا تتجلى المفارقة:
امتلاك الأدوات لا يعني امتلاك القوة إذا لم تُحوَّل إلى نظام إنتاج مستقل.
الخلاصة: من الظل إلى الظفر
“ما حك جلدك مثل ظفرك” في هذا السياق لم تعد مجرد حكمة عن الاعتماد على الذات، بل أصبحت قاعدة لفهم العصر:
القوة لا تُقاس بما يُعرض عنك، بل بما تُنتجه بنفسك.
والدول التي تبني صورتها قبل أن تبني بنيتها، قد تبدو قوية في الواجهة، لكنها تظل معرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي.
وفي زمن الصورة بدل القوة، تصبح المعركة الحقيقية ليست على الأرض فقط، بل على:
- من ينتج المعرفة
- من يحدد قيمتها
- ومن يملك أدوات تحويلها إلى سيادة فعلية .

الدكتورة نزهة الماموني

