تجسد تجربة الخطاط العراقي حسن المسعودي مساراً فنياً فريداً تتقاطع فيه الجذور المحلية مع الامتداد العالمي، بين النجف حيث وُلد، وباريس التي احتضنت نضجه الفني وكرّمته مؤخراً بمنحه الوسام الوطني للاستحقاق برتبة فارس، في اعتراف بمسيرة إبداعية امتدت لعقود.
انطلقت رحلة المسعودي منذ أربعينيات القرن الماضي، متأثراً بأجواء الخط العربي في بيئته الأولى، قبل أن ينتقل إلى بغداد حيث بدأ احتكاكه العملي بالخط عبر مجالات الحياة اليومية من لافتات وإعلانات، وهي تجربة صقلت مهاراته التقنية. غير أن التحول الحقيقي في مسيرته جاء مع انتقاله إلى باريس عام 1969، حيث التحق بـ المدرسة العليا للفنون الجميلة البوزار، وهناك انفتح على آفاق الفن المعاصر، ليعيد صياغة الحرف العربي ضمن رؤية تشكيلية حديثة.
ينتمي المسعودي إلى جيل الستينيات في الفن التشكيلي العراقي، إلى جانب أسماء بارزة مثل ضياء العزاوي ورافع الناصري، وهو الجيل الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، فيما عُرف بـ“الريادة الثانية”. وقد أسهم في نقل الخط العربي من حالته التقليدية إلى تعبير بصري حي، خاصة من خلال تجربة “أرابيسك” في سبعينيات القرن الماضي، التي فتحت آفاقاً جديدة أمام فنانين معاصرين مثل إل سيد وماجد نيازي، لاستثمار الحرف في الفضاءات العامة بأساليب تفاعلية.
وفي رؤيته الجمالية، يعتبر المسعودي أن الخط يتجاوز كونه كتابة ليصبح امتداداً للفن البصري، حيث تتعامل الحروف في أعماله كوحدات تشكيلية تنسج صوراً لا تحاكي الواقع بشكل مباشر، بل تستلهم عمق الحضارات القديمة، مثل حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة، في تفاعل بصري وثقافي يمتد عبر الزمن.
وقد وثّق هذه الرؤية في مؤلفاته، من أبرزها كتاب الخط العربي، الذي قدّم فيه دراسة معمقة لتاريخ الخط العربي وقواعده، إلى جانب كاليغرافيات، الذي يعرض تجربة بصرية معاصرة تجمع بين لوحات ملونة ذات طابع تعبيري وأخرى تستلهم الأساليب الكلاسيكية، في توازن بين الحداثة والتراث.
ويأتي هذا التكريم الفرنسي تتويجاً لمسيرة غنية بأكثر من عشرين مؤلفاً وأعمال فنية عُرضت في مؤسسات عالمية مرموقة مثل المتحف البريطاني ومتحف الشارقة، إضافة إلى متاحف في أوساكا وتركيا، فضلاً عن تعاوناته مع فنانين من اليابان والصين وأوروبا، ما جعله جسراً فنياً بين الثقافات.
طنجة الأدبية

