برحيل تمار بن عامي، المعروفة في الوجدان العربي باسم “ريتا”، يُطوى فصل إنساني وثقافي من واحدة من أكثر قصص الحب إثارةً للجدل في الأدب العربي الحديث. رحلت في برلين عن 79 عامًا بعد صراع مع المرض، بهدوءٍ يشبه ابتعادها الطويل عن الأضواء، لكنها تركت وراءها اسمًا ارتبط بقصيدةٍ تحوّلت إلى أيقونة: “ريتا والبندقية”.
لم تكن “ريتا” مجرد حبيبة عابرة في سيرة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، بل تحولت إلى رمزٍ شعري معقّد، يتداخل فيه العاطفي بالسياسي، والإنساني بالتاريخي، والحلم بحدود الواقع. وبينما ظل درويش لسنوات ينفي أن تكون “ريتا” شخصية حقيقية، عاد لاحقًا ليؤكد أنها تمار بن عامي، الراقصة الإسرائيلية التي أحبها في شبابه، قبل أن تمزق حرب يونيو/حزيران 1967 ما تبقى من علاقةٍ كانت تسير على حافة المستحيل.
اللقاء الأول… حب في زمن التناقض
وُلدت تمار بن عامي عام 1947 في مدينة حيفا، ودرست الرقص منذ سن مبكرة على يد ياردينا كوهين وغرترود كراوس. وفي عام 1962 انضمت إلى فرقة رقص محلية ضمّت راقصين يهودًا وعربًا، في مشهد ثقافي كان نادرًا في سياقه السياسي.
في تلك السنوات المبكرة من الستينيات، التقت تمار بمحمود درويش، وكانا في مقتبل العمر. كانت في السادسة عشرة تقريبًا، وكان هو شابًا فلسطينيًا تتشكل ملامح صوته الشعري. نشأت بينهما علاقة عاطفية استمرت نحو خمس سنوات، بقيت سرية إلى حد بعيد، كما قالت لاحقًا: “أبقيت العلاقة طي الكتمان لأنه عربي وأنا يهودية”.
لم يكن المجتمع ولا القانون يسمحان بزواجٍ مختلط في إسرائيل آنذاك، إذ لم يكن هناك زواج مدني، وكانت السلطات الدينية ترفض مثل هذا الارتباط. بل إن والديها أرسلاها للدراسة في المدرسة الثانوية التابعة لأكاديمية القدس للموسيقى والرقص في محاولة لإبعادها عن درويش.
لكن الحب، كما يرويه الشعر، كان قد بدأ يتشكل في القصيدة.
“بين ريتا وعيوني بندقية”
تحولت العلاقة إلى واحدة من أشهر قصائد الحب العربية في القرن العشرين. في “ريتا والبندقية” يكتب درويش:
“بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا
ينحني ويصلّي لإلهٍ في العيون العسلية”
لم تكن “البندقية” مجرد استعارة شاعرية، بل كانت الواقع الصلب الذي يقف بين عاشقين ينتميان إلى شعبين في حالة صراع. ريتا، في القراءة الشائعة، تمثل الطرف الإسرائيلي، بينما الشاعر فلسطيني يحمل ذاكرة الأرض والاحتلال. وهكذا أصبح الحب نفسه ساحة مواجهة رمزية.
لحّن مارسيل خليفة القصيدة عام 1976، لتتحول إلى نشيد يتردد في أنحاء العالم العربي، ويصبح اسم “ريتا” جزءًا من الذاكرة الجمعية، حتى لدى من لم يعرفوا شيئًا عن تمار بن عامي.
الحرب… القطيعة الحاسمة
استمرت العلاقة حتى عام 1967، حين جاءت حرب يونيو/حزيران لتكشف التناقض الذي كان، كما قال درويش لاحقًا، “غير واعٍ حتى ذلك الوقت”. لم يعد بالإمكان فصل الحب عن الواقع السياسي. تحولت المسافة بينهما إلى هوّةٍ لا تُردم.
انتهت العلاقة، لكن حضورها لم ينتهِ في شعر درويش. ظل اسم “ريتا” يتردد كرمز للحب المستحيل، للحلم الذي اصطدم بالتاريخ، وللإنسان الذي عجز عن التوفيق بين قلبه وانتمائه.
كتب درويش لاحقًا عن تلك التجربة: “لم أكن أعرف ماذا أفعل بهذا الحب، وأين آخذه”. جملة تختصر مأزق جيلٍ كامل وجد نفسه ممزقًا بين العاطفة والهوية.
حياة تمار بن عامي… ما بعد القصيدة
بعيدًا عن ظل درويش، كانت لتمار مسيرة فنية طويلة. خدمت في الجيش الإسرائيلي ضمن فرقة البحرية الموسيقية، واشتهرت بأغنية “بحاري هو ملاكي”. وبعد إنهاء خدمتها، تابعت دراستها في أكاديمية القدس للموسيقى والرقص، ثم انتقلت إلى نيويورك لتدرس في مدرسة ألفين أيلي، إحدى أهم مدارس الرقص الحديث.
تلقت تدريبًا في التاي تشي واليوغا، ودرست في برنامج إعداد معلمي الرقص بكلية الكيبوتسات بين 1976 و1978. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أصبحت من القلائل النشطين في مجال تصميم الرقص في إسرائيل، وقدمت أعمالًا مثل:
“أصوات من الطبيعة” (1984)،
“حوارات بصيغة المتكلم” (1986)،
“هذيان” (1987)،
“نبض” (1987).
كما صممت أعمالًا لفرقة باتشيفا، وشاركت في مهرجانات مسرحية في إسرائيل وألمانيا. وفي عام 1990، قبلت دعوة لتصميم رقص لمسرحية “غيتو” في مدينة ماغديبورغ الألمانية، لتبدأ مرحلة طويلة من العمل بين برلين وتل أبيب، حيث درّست في مؤسسات فنية مرموقة حتى عام 2011.
حازت على جوائز عدة، منها الجائزة الأولى في مهرجان “ألوان في الرقص” (1987)، والجائزة الأولى في مسابقة غرترود كراوس، وجائزة أفضل تصميم رقص في تولوز عام 1990.

من الإنكار إلى الاعتراف
لسنوات طويلة، أنكر محمود درويش أن تكون “ريتا” شخصية حقيقية، ربما لحماية الخصوصية، أو لتجنب الجدل السياسي. لكن القصة ظلت تطفو على السطح، وتُنسج حولها روايات متباينة، وصلت أحيانًا إلى حد الادعاء بأنها كانت عميلة للموساد، وهي روايات جرى نفيها لاحقًا.
في عام 2014، ظهر فيلم “سجّل: أنا عربي” للمخرجة ابتسام مراعنة منوحين، حيث ظهرت تمار بن عامي وقرأت رسائل درويش العبرية لأول مرة، مؤكدةً أن “ريتا” كانت هي بالفعل.
بهذا الاعتراف، تحولت الأسطورة إلى قصة موثقة، دون أن تفقد بعدها الرمزي.
ريتا… الرمز الذي تجاوز الشخص
لم تعد “ريتا” مجرد امرأة أحبها شاعر. أصبحت استعارةً للحب المحاصر، وللحدود التي ترسمها السياسة بين القلوب. في المخيال العربي، كانت ريتا صورة للآخر الذي يمكن أن يُحب رغم الصراع، لكنها أيضًا تجسيد للاستحالة.
قرئت القصة فلسطينيًا بوصفها مأساة حبٍ في زمن الاحتلال، وقرئت إسرائيليًا بوصفها دليلًا على تعقيد العلاقة بين الشعبين. وبين القراءتين، بقي الشعر أوسع من السياسة.
رحيل في الظل… وخلود في القصيدة
رحلت تمار بن عامي في برلين، بعيدًا عن الأضواء التي منحتها إياها قصائد درويش. لم تسعَ يومًا إلى استثمار شهرتها بوصفها “ريتا”، بل واصلت حياتها الفنية بصمت.
أما محمود درويش، فقد رحل في 9 غشت 2008، ودُفن في رام الله في ضريح يطل على قصر الثقافة، ليبقى حضوره في الذاكرة الفلسطينية والعربية متجددًا.
برحيل “ريتا”، تُستعاد القصة من جديد، لا كحكاية رومانسية فحسب، بل كمرآة لزمنٍ كان الحب فيه امتحانًا للهوية. بين القصيدة والبندقية، بين القلب والوطن، وُلدت واحدة من أكثر الحكايات تأثيرًا في الأدب العربي المعاصر.
ربما لم يعرف درويش يومًا “ماذا يفعل بهذا الحب”، لكنه فعل ما يجيده: حوّله إلى شعر. والشعر، كما نعلم، أطول عمرًا من العشاق.
طنجة الأدبية

