نابلس – فقدت الساحة الثقافية الفلسطينية، يوم الخميس 5 نونبر 2026، الشاعر والباحث والمترجم محمد حلمي الريشة، الذي وافته المنية بمدينة نابلس عن عمر ناهز 72 عاما، بعد مسار أدبي وثقافي حافل امتد لعقود، جمع خلاله بين كتابة الشعر وترجمة الأعمال الأدبية والبحث في التجارب الشعرية الفلسطينية والعربية والعالمية.
وخلف الراحل تجربة إبداعية متميزة، انشغل فيها بتجديد أدوات التعبير الشعري، واستكشاف إمكانات اللغة والصورة، والانفتاح على أنماط شعرية مختلفة، مستفيدا من تجارب ثقافية متعددة، وهو ما منح كتاباته طابعا خاصا يتجاوز القوالب التقليدية للقصيدة العربية.
ومنذ بداياته الأدبية، كشف الريشة عن توجه شعري قائم على التجريب والبحث عن أشكال جديدة للتعبير، من خلال مجموعات من بينها «الخيل والأنثى» الصادرة سنة 1980، و«ثلاثية القلق» سنة 1995، و«كتاب المنادى» سنة 1998، حيث اشتغل على العلاقة بين اللغة والتجربة الإنسانية، ومنح الصورة الشعرية دورا أساسيا في تشكيل النص.
وتواصل هذا المسار في أعماله اللاحقة، التي اتجه فيها بصورة متزايدة نحو الأشكال الشعرية المكثفة والقصيرة، مع استلهام تقاليد شعرية من ثقافات مختلفة. وقد جمع عددا من هذه التجارب في المجلد الرابع من أعماله الشعرية، الذي صدر سنة 2025 عن دار جبرا للنشر والتوزيع بالعاصمة الأردنية عمّان.
ويضم هذا المجلد مجموعة من أعماله الممتدة بين 2008 و2024، من بينها «كأعمى تقودني قصبة النأي»، و«قمر أم حبة أسبرين»، و«أيها الشاعر فيّ»، و«منثور فلفل على تويج وردة»، و«مطر خلل شعاع شمس»، وصولا إلى «أقمار افتراضية في ليل يطول».
وشكلت الأشكال الشعرية الآسيوية، خصوصا الهايكو والتانكا، أحد أبرز مجالات اهتمامه، إذ لم يكتف باستلهام خصائصها الفنية، بل حاول تطوير صيغ تجمع بينها، من خلال تجربة الهاينكا التي تمزج بين الهايكو والتانكا، في مسعى لتوسيع آفاق التعبير الشعري باللغة العربية.
ولم يقتصر انفتاح محمد حلمي الريشة على التجارب العالمية على الكتابة الإبداعية، بل امتد إلى الترجمة، التي بدأ الاشتغال عليها سنة 1978، بنقل قصيدة «الرجال المجوفون» للشاعر الإنجليزي توماس ستيرنز إليوت من اللغة الإنجليزية إلى العربية.
وأغنى المكتبة العربية لاحقا بمجموعة من الترجمات والمختارات الشعرية التي استحضرت تجارب من ثقافات مختلفة، من بينها «شعر الحب الصيني»، و«الخريف كمان ينتحب»، و«مرآة تمضغ أزرار ثوبي». وفي المقابل، وجدت قصائده طريقها إلى لغات أجنبية عدة، من بينها الإنجليزية والفرنسية والبلغارية والإيطالية والإسبانية والفارسية والألمانية.
وكان الراحل ينظر إلى الترجمة باعتبارها عملية إبداعية تتيح للنص الشعري حياة جديدة داخل لغة وثقافة مختلفتين، وهو ما عبر عنه في حوار مع مجلة «الدوحة» سنة 2020، حين ربط نجاح الترجمة بالمعرفة العميقة باللغة والثقافة والقدرة على استيعاب الإيقاع الداخلي للقصيدة.
وبموازاة إنتاجه الشعري والترجمي، حظي شعره باهتمام عدد من الباحثين والنقاد، الذين تناولوا تجربته بالدراسة والتحليل في مؤلفات متعددة، من بينها «ظلال الرقص: دراسات في شعر محمد حلمي الريشة»، و«مرايا الصهيل الأزرق: رؤية، قراءات، حوارات»، و«الشغف والتخييل: دراسات، مقاربات، قراءات».
كما شهدت سنة 2025 صدور كتاب «نسائم الإضاءة وستائر الدهشة»، الذي جمع دراسات نقدية وحوارات تناولت تجربته الأدبية، وقدم قراءات متعددة لمساره الشعري ومكانته في المشهد الثقافي الفلسطيني.
وعلى مستوى العمل الثقافي والمؤسساتي، لم يحصر الريشة اهتمامه في مشروعه الإبداعي الشخصي، بل انخرط في جهود التعريف بالشعر الفلسطيني وتوثيق تجاربه وأجياله المختلفة. فقد تولى رئاسة بيت الشعر الفلسطيني، وأشرف على عدد من سلاسله الشعرية، كما ساهم في إعداد أنطولوجيات ومختارات أدبية هدفت إلى إبراز تنوع المشهد الشعري الفلسطيني وتقديم أصواته إلى القراء.
ومن بين هذه الإصدارات كتاب «شعراء فلسطين في نصف قرن (1950-2000)»، الذي أعده بالاشتراك مع مراد السوداني، و«إيقاعات برية: شعريات فلسطينية مختارة»، إضافة إلى «نوارس من البحر البعيد القريب: المشهد الشعري الجديد في فلسطين المحتلة 1948»، الذي أنجزه بالتعاون مع آمال عواد رضوان.
وعكست هذه المبادرات اهتمامه بتوثيق التجارب الشعرية بمختلف اتجاهاتها، وإتاحة المجال أمام أصوات أدبية متنوعة، بما فيها الأسماء التي لم تنل حظا وافرا من الحضور والاهتمام في المشهد الثقافي.
كما امتدت مساهماته إلى العمل الصحفي والتحرير الأدبي، حيث اضطلع بمهام تحريرية في عدد من المجلات التي أصدرها بيت الشعر الفلسطيني، قبل أن تكلفه وزارة الثقافة الفلسطينية سنة 2017 برئاسة تحرير مجلة «القصيدة».
وتقديرا لمساره الفكري والإبداعي، حصل محمد حلمي الريشة سنة 2011 على جائزة المهاجر العالمية للفكر والآداب والفنون في أستراليا، ليترك برحيله رصيدا أدبيا يجمع بين الشعر والترجمة والنقد والعمل على صون الذاكرة الشعرية الفلسطينية.
طنجة الأدبية

