أثارت رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكيبيكي من أصول هاييتية ثيليسون أورليان جدلاً واسعاً في الأوساط الأدبية الفرنسية، بعدما وُجّهت إليها اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابتها، وذلك بعد وقت قصير من حصولها على جائزة الرواية من «فناك» لعام 2026. وبينما ينفي الكاتب بشكل قاطع استعانته بهذه التقنيات، أعلنت دار «غراسيه» الفرنسية ودار «بورِيال» الكندية ثقتهما في الرواية ومؤلفها.
وانطلقت القضية مساء الاثنين، بعد ساعات من الإعلان عن فوز الرواية بالجائزة، قبل أن تنتقل سريعاً من مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام الفرنسية، التي أجرت بدورها اختبارات على النص بحثاً عن مؤشرات يمكن أن تدعم أو تنفي الادعاءات المتداولة.
وفي أحدث فصول الجدل، أعلنت صحيفة «ليبراسيون» أنها أعادت فحص الرواية إلى جانب نصوص سابقة للكاتب باستخدام أداة «بانغرام»، وهي الأداة ذاتها التي اعتمد عليها حساب مجهول يحمل اسم «Balance ton Claude» لإطلاق الاتهامات الأولى. ونشرت الصحيفة كذلك مقابلة مع أورليان، تمسك خلالها بموقفه الرافض لأي استخدام للذكاء الاصطناعي، وقدم تفسيراً للخصائص الأسلوبية التي أثارت الشكوك حول النص.
وكان الحساب المذكور قد اتهم الكاتب بأن الرواية كُتبت «تقريباً بالكامل» بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج اختبارات أجراها على مقاطع من العمل. وعلى الرغم من أن الحساب كان يضم أقل من مئة متابع لحظة نشر الاتهام، سرعان ما انتشر المنشور على نطاق واسع، متجاوزاً ألف إعادة نشر واقترب من أربعة ملايين مشاهدة، بحسب ما أوردته «لوموند».
وأمام تصاعد الجدل، أعلن أورليان أنه يعمل، بالتنسيق مع ناشريه في فرنسا وكندا، على إعداد ملف يوثق مراحل إنجاز الرواية وتطورها منذ بداياتها الأولى، في محاولة لتقديم عناصر توضح مسار تأليف العمل.
وفي حديثه إلى «ليبراسيون»، أوضح الكاتب البالغ 38 عاماً أنه شرع في كتابة الرواية نحو عام 2017، وأنجز مسودتها الأولى في حدود 2019. كما رفض اعتبار التكرار والصور والإيقاعات اللغوية التي تميز النص مؤشرات على تدخل الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن هذه الخصائص ترتبط بما وصفه بالكلام الحي، وبالتراث الأدبي واللغوي الهايتي والكاريبي.
ويربط أورليان خصوصية أسلوبه أيضاً بتعدد روافده اللغوية والثقافية، بما في ذلك تأثيرات الكريول الهايتي والإسبانية والبرتغالية والإيقاع الشفهي. ويرى أن هذه العناصر قد تكون مؤثرة في الطريقة التي تتعامل بها أدوات الكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي مع كتابته.
وفي سياق حديثه عن القضية، أشار الكاتب كذلك إلى تعرضه، منذ وصوله إلى فرنسا، لما وصفه بهجمات ذات طابع عنصري، معتبراً أن الجدل الحالي لا ينفصل عن السياق الذي واجه فيه بعض أشكال التشكيك في تجربته الأدبية.
من جهتها، أكدت «غراسيه» دعمها الكامل للكاتب وثقتها في عمله، بينما أعربت دار «بورِيال»، التي أصدرت الرواية في كندا أولاً، عن ثقتها في أورليان، مع تأكيدها التعامل بجدية مع الادعاءات المطروحة.
وكانت «لوموند» قد أجرت اختباراً على أكثر من نصف صفحات الرواية بواسطة «بانغرام»، وأفادت بأن الأداة صنفت أكثر من 95% من النص باعتباره مولداً بالذكاء الاصطناعي بدرجة ثقة مرتفعة. غير أن الصحيفة أجرت في المقابل اختبارات على الصفحات الأولى من نحو 15 رواية أخرى، وجاءت نتائجها لصالح كون تلك النصوص بشرية بالكامل.
وتفتح هذه النتائج النقاش مجدداً حول مدى قدرة أدوات الكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي على تقديم أدلة حاسمة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأعمال أدبية تتميز بأساليب لغوية غير مألوفة. ونقلت «لوموند» عن الباحثة أوفيلي فرازييه-فانييه، من معهد البحث في المعلوماتية بمدينة تولوز، أن اللغة والأسلوب يمكن أن يؤثرا في نتائج هذه الأدوات. كما لم تُظهر اختبارات أجريت على خمسة أعمال روائية قديمة ذات أساليب شديدة الخصوصية أن الأسلوب الأدبي وحده يقود بالضرورة إلى نتائج إيجابية خاطئة.
ويأتي هذا الجدل في وقت كانت فيه «كان ذلك أو الموت» تحقق حضوراً قوياً في المشهد الأدبي الفرنسي. فقد صدرت الرواية في فرنسا يوم 19 أغسطس/آب عن دار «غراسيه»، تحت عنوان «C’était ça ou mourir»، بعد نشرها في كندا لدى دار «بورِيال» في مارس/آذار الماضي. وتمكنت خلال خمسة أسابيع من بيع أكثر من 35 ألف نسخة، كما وصلت إلى القوائم الأولى لجوائز أدبية بارزة، من بينها غونكور ورونودو وفيمينا وميديسيس.
وتحكي الرواية قصة جوناس دورليون، وهو أستاذ هايتي للتاريخ والجغرافيا يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة بورت أو برنس بعدما التهم الحريق حيه وتصاعد عنف العصابات. وتنطلق الشخصية في رحلة شاقة وخطرة عبر جمهورية الدومينيكان والبرازيل والمكسيك والولايات المتحدة، سعياً إلى الوصول إلى كندا.
ومن خلال هذه الرحلة، يطرح أورليان قضايا المنفى والهجرة القسرية والعنف والعنصرية والفقدان، إلى جانب التضامن والرغبة في النجاة والأمل في بداية جديدة. وهو ما منح الرواية حضوراً لافتاً في النقاش الأدبي خلال موسم الدخول الأدبي الفرنسي.
وكانت الرواية قد حصلت في 21 سبتمبر/أيلول على جائزة الرواية التي تمنحها «فناك»، وهي الجائزة التي تأسست عام 2002، وتشارك في اختيارها لجنة تضم 400 من بائعي الكتب في شبكة «فناك» و400 من حاملي بطاقتها. ووصلت رواية أورليان إلى القائمة النهائية التي ضمت خمسة أعمال، بعدما جرى اختيارها من بين 30 عنواناً.
ومع استمرار الجدل، تبقى نتائج أدوات الكشف الرقمية، حتى 23 سبتمبر/أيلول، غير كافية بمفردها لإثبات الطريقة التي كُتبت بها الرواية أو تحديد مصدر نصها بشكل قاطع، في وقت يواصل فيه الكاتب نفي استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تتمسك دور النشر التي تقف وراء العمل بثقتها فيه.
طنجة الأدبية

