ليست الثقافة مجرد لقاءات عابرة أو احتفالات موسمية، بل هي جسر تعبر عليه الأرواح قبل الكلمات، وتلتقي عنده القلوب قبل الأجساد. هكذا كان المشهد بمدينة طنجة، حين فتح صالون ندى الثقافي أبوابه، مساء السبت 11 يوليوز 2026، لاستقبال نخبة من المبدعين والمثقفين العرب في أمسية احتفت بالإنسان قبل المبدع، وبالعطاء قبل التكريم.
وجاء هذا اللقاء امتدادًا للنجاح الذي حققته الدورة الرابعة من مهرجان الوطن العربي، التي احتضنتها مدينة مكناس تحت شعار: “من بغداد إلى الرباط تنمو الأخوة ويزهر الإبداع العربي”، ليواصل المهرجان رسالته الثقافية خارج أسوار التظاهرة، مؤكدًا أن الإبداع العربي لا تحده مدينة ولا تقيده حدود.
واحتضن مقر الأستاذة مليكة التومي بطنجة العالية مراسم تكريمها إلى جانب الأستاذ عوض بن الفقيه، بحضور رئيس المهرجان السيد جعفر نجم مرفوقًا بوفد ثقافي من العراق الشقيق، ومدير المهرجان السيد محمد شخمان، فيما أدار فقرات الأمسية الأستاذ حفيظ شنكاو بحنكة واقتدار، مانحًا اللقاء إيقاعًا متوازنًا يجمع بين الرصانة والمتعة.
وعرفت الأمسية حضور ثلة من الأدباء والشعراء والفنانين والمفكرين من المغرب والعراق وتونس، في صورة جسدت وحدة الوجدان العربي، وأكدت أن الثقافة ما تزال اللغة الأجمل التي يتفاهم بها المبدعون مهما اختلفت الجغرافيا.
وتناوب الشعر والموسيقى على رسم ملامح مساء استثنائي، حيث تعانقت القصائد مع أنغام العود وآلة اللورك في معزوفات كلاسيكية راقية، سافرت بالحاضرين إلى فضاءات من الجمال والإحساس، فكان التصفيق تعبيرًا صادقًا عن إعجاب جمهور تذوق الكلمة كما تذوق النغمة.
ولم يكن التكريم مجرد تسليم دروع وشهادات تقديرية وميداليات حملت عبق العراق الشقيق، بل كان لحظة وفاء واعتراف بمسيرة ثقافية وإنسانية تستحق كل التقدير، كما شكل مناسبة للاحتفاء بكل من أسهم في إنجاح هذه المحطة الثقافية التي انتصرت لقيم المحبة والتواصل والإبداع.
واختُتمت الأمسية بصورة جماعية جمعت الوجوه القادمة من ضفاف عربية مختلفة، لكنها حملت قلبًا واحدًا نابضًا بالمودة. صورة ستبقى شاهدًا على أن الثقافة لا تعرف الحدود، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تصنع أوطانًا من المحبة، وأن تحول المسافات إلى جسور من الأخوة.
لقد أكدت طنجة، وهي تستقبل هذا اللقاء الثقافي العربي، أنها ما تزال مدينة تحتضن الفكر، وتفتح ذراعيها للإبداع، وتؤمن بأن الحوار الثقافي هو الطريق الأجمل نحو مستقبل عربي أكثر إشراقًا وتلاحمًا.
أمينة بنونة





