في سياق علمي وثقافي متميز، وتعزيزاً للبحث الأنثروبولوجي والتاريخي في المنطقة المغاربية، أعلن مركـز جسـور للدراسـات التاريخيـة والاجتماعيـة عن إصدار كتاب جديد ومتميز لعام 2026 يحمل عنوان “بعض طقوس الاستمطار إبان الجفاف لدى المغاربيين”. الكتاب في أصله دراسة إثنوغرافية بالغة الأهمية للمستشرق والأنثروبولوجي الفرنسي ألفـريـد بـل، وقد نقلها إلى اللسان العربي الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش سمير أيت أومغار، وقدم لها المؤرخ والباحث خالد طحطح.
يأتي هذا الإصدار في وقت تعيش فيه المنطقة المغاربية تحولات مناخية مقلقة، ليعيد قراءة الماضي والنبش في الذاكرة الثقافية الجماعية، متقصياً كيف واجه الإنسان في شمال إفريقيا أزمات الجفاف المستعصية عبر ابتكار نسق طقوسي وروحي فريد.
سياق الإصدار: “مركز جسور” وإحياء التراث الإثنوغرافي.
بإصداره هذا العمل في عام 2026، يواصل مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية مشروعه العلمي الرامي إلى ردم الفجوة المعرفية بين الدراسات الاستشراقية/الكولونيالية وبين القارئ العربي المعاصر. إن اختيار المركز لإعادة إحياء دراسة “ألفـريـد بـل” ينم عن وعي عميق بأهمية الأنثروبولوجيا التاريخية؛ فالكتاب ليس مجرد ترف فكري، بل هو وثيقة سوسيولوجية تسلط الضوء على “تاريخ العقليات” والممارسات الشعبية في مواجهة الأزمات البيئية، وهو مجال ما يزال بحاجة إلى مزيد من التنقيب والدراسة الفاحصة.
قراءة في المضمون: تفكيك الرموز والبنية الطقوسية للمجتمعات المغاربية.
يتجاوز الكتاب الفهم السطحي لـ”طلب المطر” ليتغلغل في بنية المجتمع المغاربي ونظرته إلى الكون والطبيعة والمقدس. ويمكن تفكيك مضامين هذا المؤلف عبر زوايا تحليلية واسعة ومسهبة.
- جدلية الرسمي والشعبي في طقوس الاستمطار:
يُظهر النص المترجم كيف كان المجتمع المغاربي يدمج بسلاسة بين الدين التوحيدي الرسمي (المتمثل في صلاة الاستسقاء الشرعية، والدعاء، والابتهال في المساجد) وبين الممارسات الطقوسية الشعبية الموغلة في القدم (مثل موكب “بلغنجا” أو “تاغنجا”، وأهازيج الأطفال، والقرابين عند أضرحة الأولياء). يحلل “ألفـريـد بـل” هذا التمازج باعتباره آلية دفاعية يلجأ فيها المجتمع إلى كل قنوات التواصل الممكنة مع الغيب لرفع البلاء.
- المرأة كرمز للاستنبات والخصوبة:
تُبرز القراءة المعمقة للكتاب الدور المحوري للمرأة في طقوس الاستمطار المغاربية. فالمرأة في المتخيل الشعبي ترتبط بالأرض، والخصوبة، والعطاء. لذا، يركز الكتاب على دراسة الطقوس التي تقودها النساء أو الرموز الأنثوية (كدمية “تاغنجا” المصنوعة من مغرفة الخشب والملبسة بملابس نسائية)، حيث تصبح حركة النساء وتضرعهن رمزاً لاستدرار عطف السماء وتحفيز الأرض على الولادة من جديد.
- البُعد السيكولوجي والاجتماعي للجفاف:
لا يتعامل الكتاب مع الجفاف كظاهرة مناخية جافة، بل كأزمة وجودية تُخلخل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. يصف المؤلف كيف يتحول القحط إلى محرك لإنتاج الرموز، والقصائد، والاستغاثات الجماعية، وكيف يسهم الطقس المشترك في تخفيف القلق الجماعي وإعادة لحم الروابط الاجتماعية التي قد يمزقها الصراع على الموارد الشحيحة (كالماء والمراعي).
- مسرحة الطقس والقرابين:
يتناول الكتاب “المسرحة الجماعية” للطقوس، من خلال خروج الناس حفاة، مستغفرين، مقلبي الثياب، يرافقهم الأطفال والحيوانات في مشهد درامي يستدرّ الرحمة. كما يعرج على رمزية الوجبات الجماعية (كالكسكس الذي يُطهى في الهواء الطلق ويوزع كصدقة) والقرابين التي تُذبح تقرباً لرب السماء أو تبركاً ببركة الولي الصالح، كأدوات للتكافل والعبور الآمن من زمن المحنة.
قيمة الترجمة والتقديم: إعادة بناء النص
تكتسب هذه الطبعة الصادرة عن مركز جسور قيمتها الكبرى من جودة الترجمة التي صاغها سمير أيت أومغار، والتي اتسمت بالأمانة العلمية والدقة اللغوية في نقل المصطلحات الأنثروبولوجية المعقدة والأسماء المحلية للطقوس والأدوات والمواسم دون إخلال بروح النص الأصلي.
من جهة أخرى، يمثل تقديم الدكتور خالد طحطح إضافة نقدية بالغة الأهمية. فهو لم يكتفِ بتقديم الكتاب، بل وضع “ألفـريـد بـل” وكتاباته تحت مجهر النقد التفكيكي، مبرزاً الخلفيات المعرفية والمنهجية التي انطلق منها هذا الأنثروبولوجي الفرنسي، وكاشفاً في الوقت ذاته عن الحدود المعرفية للمقاربات الكولونيالية. كما ربط التقديم بين طقوس الماضي ومآلات الحاضر، متسائلاً عن الكيفية التي تحولت بها هذه الممارسات الحية في عصرنا الراهن إلى مجرد “فولكلور” أو ذاكرة منسية بفعل الحداثة والتطور التكنولوجي.
إن كتاب “بعض طقوس الاستمطار إبان الجفاف لدى المغاربيين” الصادر حديثاً عن مركز جسور (2026)، يعد وثيقة فكرية أساسية لا غنى عنها لعلماء الاجتماع، والأنثروبولوجيين، والمؤرخين، وكذا القراء الشغوفين بفهم الذات المغاربية. إنه سفر ممتع وعميق في أغوار ثقافة مغاربية عريقة، صاغت من شح السماء فياضاناً من الرموز والمعاني الروحية والاجتماعية التي تستحق الصون والدراسة.
طنجة الأدبية

