الرئيسيةأخباراطلالات: دقة زار بلباس 2026… من ترك شباب المغرب للفراغ؟

اطلالات: دقة زار بلباس 2026… من ترك شباب المغرب للفراغ؟

لم يكن أكثر ما لفت انتباهي في سهرة طوطو ضمن مهرجان موازين امتلاء الملعب عن آخره، بل امتلاء الفراغ الذي تركناه في وجدان شباب المغرب. لم أر مجرد عشرات الآلاف يهتفون ويرددون الأغاني، بل رأيت جيلاً كاملاً يبحث عن لحظة انتماء، وعن متنفس، وعن معنى، ولو لساعات قليلة.

ليس السؤال لماذا نجح طوطو، فالفنانون ينجحون ويفشلون في كل زمان ومكان، وتتبدل الأسماء مع تبدل الأجيال. السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا هو: من الذي ترك شباب المغرب بهذا القدر من العطش إلى أي خطاب قادر على جمعهم؟

وأنا أتابع ذلك البحر البشري المتمايل على إيقاع واحد، قفز إلى ذهني سؤال قد يبدو مستفزًا: هل نحن أمام “دقة زار” بلباس 2026؟

لا أقصد الزار بوصفه طقسًا شعبيًا عرفته مصر وغيرها، ولا أشبّه جمهور طوطو بالمشاركين في تلك الطقوس. إنما أستعمل الزار هنا بوصفه استعارة لآلية اجتماعية تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ؛ آلية يتحول فيها الانجذاب الجماعي إلى وسيلة لتمرير ما هو أبعد من الإيقاع نفسه.

لقد ارتبط الزار، في بعض مراحله، بممارسات استغل فيها بعض الدجالين والمشعوذين معاناة الناس وخوفهم، فاختلط الطقس الشعبي بالخرافة والاستغلال. ولم يكن الاعتراض على الإيقاع أو الرقص، بقدر ما كان على ما التصق به من استثمار في هشاشة الإنسان. ومن هنا جاء تشبيهي؛ فالمشكلة ليست في الموسيقى، بل في كل حالة جماعية تُستغل لتطبيع المجتمع مع ما كان يرفضه بالأمس.

اليوم لا أقول إن الراب هو الزار، ولا إن طوطو هو المشكلة. بل أقول إن الخطر يبدأ عندما تتحول المنصة الفنية إلى حامل لمنظومة قيم، فيصبح اللباس المستفز عنوانًا للحرية، والألفاظ النابية تعبيرًا عن الجرأة، والسلوك المتهور نموذجًا للنجاح، وتعاطي الممنوعات جزءًا من الصورة التي تُستهلك يوميًا حتى تفقد صفتها الصادمة وتغدو مألوفة.

قد يختلف كثير من الشباب الذين حضروا الحفل مع طوطو في مظهره، أو في سلوكه، أو في قاموسه اللغوي، وربما يرفضون بعض ما يقدمه، لكنهم وجدوا فيه لحظة هروب من واقع يزداد قسوة. وهنا يكمن السؤال الحقيقي: لماذا أصبح الهروب أسهل من المواجهة؟

لدينا شباب يمتلك طاقات هائلة، لكنه يعيش فراغًا قاتلًا. غلاء معيشة يثقل الأسر، وتعليم يتراجع، وخدمات صحية لا ترقى إلى ما يستحقه المواطن، وبطالة تضرب حتى حاملي الشهادات والدبلومات، وانتشار للمخدرات بمختلف أشكالها. حتى الأطفال والمراهقون يلتقطون يوميًا قلق آبائهم وخوفهم من المستقبل، فيكبرون وهم يشعرون بأن الأفق يضيق.

وفي المقابل، أين هي المؤسسات التي كان يفترض أن تمنحهم الأمل؟

لم يكن دور الدولة الثقافي يومًا أن تكتفي بتنظيم مهرجان يملأ ملعبًا مرة في السنة، بل أن تملأ عقول الشباب ووجدانهم طوال السنة. كانت دور الشباب، ودور الثقافة، والمكتبات العمومية، والنوادي المسرحية والموسيقية، فضاءات لاكتشاف المواهب، وصناعة الذوق، وتعلم الحوار، وتربية الحس الجمالي. ومنها خرج مبدعون، ومسرحيون، وموسيقيون، وتشكيليون، وفاعلون جمعويون آمنوا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل بناء للإنسان.

أما اليوم، فقد أصبح كثير من الشباب يلتقي في ملعب مرة في السنة أكثر مما يلتقي في دار للشباب أو دار للثقافة طوال السنة. لا يمكن أن نلوم شابًا لأنه قصد حفلاً جماهيريًا، إذا كنا لم نوفر له في حيه مسرحًا حيًا، أو ناديًا للموسيقى، أو ورشة للكتابة، أو مكتبة تنبض بالحياة. فالشباب لا يرفض الثقافة، بل يبحث عن مكان يشعر فيه بأنه مرئي، ومسموع، وفاعل.

ولذلك، ليس طوطو هو المشكلة، ولن يكون آخر من يملأ هذا الفراغ. فلو غاب اليوم، سيأتي غدًا غيره، وربما أكثر تأثيرًا. لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وكذلك المجتمعات. فإذا تركت المؤسسات الثقافية والتربوية والإعلامية فراغًا في وجدان الشباب، فسيملؤه أي خطاب قادر على جذبهم، سواء حمل رسالة بناء أو رسالة هدم، سواء جاء على لسان فنان، أو مؤثر، أو تاجر أوهام، أو صاحب فكر متطرف.

إن اختزال النقاش في شخص طوطو يريحنا من مواجهة الحقيقة. فهو ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها. ولو اختفى غدًا، فلن يختفي الفراغ الذي أوصله إلى هذه المكانة.

لا أخشى أن يمتلئ ملعب عن آخره، فذلك دليل على أن شباب المغرب ما زال يملك الشغف والطاقة والحياة. ما أخشاه هو أن تفرغ المكتبات، وأن تصمت المسارح، وأن تتحول دور الشباب ودور الثقافة إلى بنايات صامتة، بينما تتحول المهرجانات إلى الحدث الثقافي الوحيد الذي ينتظره الشباب.

ليس كل تجمع جماهيري دقة زار، ولكن كل مجتمع يترك شبابه للفراغ يهيئ الأرض لزار جديد، مهما اختلفت الأسماء، والأزياء، والإيقاعات.

المغرب ليس في حاجة إلى مهرجانات أقل، بل إلى دور شباب أكثر، ودور ثقافة تنبض بالحياة، ومكتبات لا تغلق أبوابها في وجه الحالمين. لأن الأمم لا تُبنى بمن يملأ الملاعب لساعات، بل بمن يملأ العقول والوجدان لسنوات.

الدكتورة نزهة الماموني

الدكتورة نزهة الماموني
الدكتورة نزهة الماموني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *