الرئيسيةأخبار“السندريلا” في المتخيل الروائي: من الأيقونة إلى البطل الإشكالي

“السندريلا” في المتخيل الروائي: من الأيقونة إلى البطل الإشكالي

سعاد حسني

منذ الملاحم القديمة وحتى الرواية المعاصرة، ظلّ الأدب مشدودًا إلى الشخصية بوصفها المحرّك الأساسي للسرد، إذ لا زمن يتشكّل ولا أحداث تتوالد من دون حضورها. غير أن الشهرة وحدها لا تكفي لصناعة البطل الأدبي، فالإبداع الروائي لا ينجذب إلى النجاح السطحي بقدر ما يُفتن بالتناقضات الداخلية والتحولات الحادة التي تمنح الشخصية عمقها الإنساني. وهي سمات تجلّت بوضوح في شخصية الفنانة المصرية سعاد حسني، التي جمعت بين البهجة الحاضرة والشجن الكامن، وبين صعودٍ لامع وسقوطٍ غامض، لتصبح مادة خصبة للتخييل الأدبي.

بهذا المعنى، لم تظل سعاد حسني حبيسة الشاشة أو السيرة الفنية، بل عبرت إلى فضاء الأدب من أوسع أبوابه، سواء عبر استلهام سيرتها بشكل مباشر أو إعادة تشكيلها داخل شخصيات متخيلة بأسماء مختلفة وأزمنة متعددة، بحيث تتبدّل ملامحها لكنها تبقى حاضرة كأيقونة متحوّلة تعكس تقلبات عالمها الداخلي والخارجي.

في هذا السياق، استثمرت الروائية العراقية هاديا سعيد مبكرًا هذه الشخصية في روايتها «أرتيست» عام 2006، بعد سنوات قليلة من رحيل الفنانة. ومنذ العنوان، تتكشف لعبة الالتباس التي تبني عليها الرواية عالمها، إذ تحمل كلمة “أرتيست” في الذاكرة العربية دلالات تتجاوز المهنة إلى شبكة معقدة من التصورات الاجتماعية حول المرأة العاملة في الفن، وهو ما يوظفه السرد لإثارة الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات.

لا تقدم الرواية سعاد حسني بشكل مباشر، بل تقترب منها عبر مسافة سردية محسوبة، من خلال شخصية “سلمى حسن” التي تتقاطع مع سيرتها في الطفولة القاسية، والبدايات الفنية المبكرة، والصعود إلى النجومية، ثم العلاقات العائلية المتوترة، وصولاً إلى النهاية الغامضة. إلا أن هذا التشابه لا يلغي التلاعب الروائي، إذ يعمد النص إلى تغيير الوقائع والأماكن والعلاقات، ما يضع القارئ في حالة تردد دائم بين الحقيقة والتخييل.

ويزداد هذا الالتباس تعقيدًا مع البنية السردية المتشظية، حيث تنقسم “سلمى” إلى أكثر من نسخة تحمل الاسم نفسه بأرقام مختلفة، إضافة إلى رسائل غامضة وشخصيات مجهولة، ما يحوّل الرواية تدريجيًا إلى فضاء أقرب إلى التحقيق البوليسي، يصبح فيه القارئ جزءًا من لعبة فك الشيفرة.

على الضفة الأخرى، يذهب الروائي العراقي نجم والي في روايته «سعاد والعسكر» (2021) إلى معالجة مختلفة، إذ يعيد تشكيل سيرة الفنانة ضمن إطار يمزج التاريخ بالخيال، محولًا إياها إلى نموذج إنساني يتجاوز فرديتها ليعكس تجربة جماعية في مواجهة السلطة والرقابة. هنا لا يتم التركيز على واقعة الوفاة بقدر ما يتم تفكيك مسار طويل من التقييد والهيمنة، يبدأ منذ الطفولة عبر حضور ضابط مخابرات يرافق حياتها كظل دائم، في علاقة تتجاوز الرقابة إلى وصاية وجودية خانقة.

ومع تبدّل هوية هذا الضابط دون أن يتغير جوهره، تتجسد السلطة في صورتها المتعددة والثابتة في آن، بما يذكّر بأجواء الكابوس الكافكوي، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مساحات مراقبة مستمرة، وتغدو الحرية مجرد احتمال بعيد.

في منحى مختلف، يعيد الكاتب المصري خالد منتصر في روايته «زمن سعاد» قراءة الشخصية بوصفها مرآة لعصر كامل، لا مجرد فرد داخله. فبدلاً من أن تكون سعاد جزءًا من الزمن، تتحول إلى إطار له، تُقاس من خلاله التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي شهدتها مصر، من انفتاح الستينيات إلى موجات التشدد اللاحقة، مرورًا بتغيرات في الوعي الجمعي والفضاء الفني.

ومن خلال هذا التوظيف الرمزي، تصبح سعاد حسني أكثر من نجمة سينمائية، لتغدو استعارة لعصر بأكمله، حيث تتقاطع سيرتها مع أسئلة الهوية والتحول والانكسار، كما تتداخل مع علاقات شخصية مؤثرة، بينها علاقتها بعبد الحليم حافظ، بما يضيف بعدًا آخر لصورة الزمن المضطرب.

وفي النهاية، تبدو سيرة سعاد حسني مساحة مفتوحة لإعادة التأويل، حيث تتجاور القراءات بين الغموض الكافكوي، والتمثيل الرمزي للعصر، واللعبة السردية القائمة على التشظي والالتباس. وبين هذه التخييلات، تبقى صورتها معلّقة بين الجمال واللعنة، بين الحضور والغياب، كإحدى أكثر الشخصيات التي أثارت خيال الأدب العربي الحديث، شأنها شأن أبطال إشكاليين في الأدب العالمي مثل “إيما بوفاري” و“هولدن كولفيلد”، الذين حملوا من التناقض والجمال ما جعلهم أكبر من حدود الواقع الذي وُجدوا فيه.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *