في معرض “مادة السرد” المقام في برلين، تتحول الحكاية من نص يُقرأ إلى تجربة حسية تُرى وتُلمس وتُعاد مساءلتها. هنا، لا يُقدَّم الأدب بوصفه منتجاً نهائياً مطبوعاً، بل كشبكة معقدة من المواد والوسائط والتجارب التي تمتد عبر الزمن، من العظام المنقوشة إلى دفاتر اليوميات، ومن القطع الأثرية القديمة إلى الرواية المصورة المعاصرة. يحتضن متحف الأبحاث بجامعة برلين الحرة هذا المعرض التجريبي، الذي انطلق في 16 من الشهر الماضي ويستمر إلى غاية 3 سبتمبر المقبل، في فضاء يجمع بين البحث الأكاديمي والعرض الفني.
يقترح المعرض إعادة التفكير في جوهر السرد نفسه، عبر طرح أسئلة تتعلق بمصدر الحكاية، وكيف تتشكل، وأين تعيش، وكيف تعبر الثقافات والعصور. وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى الأدب كمنتج مكتمل، بل كعملية ممتدة تتقاطع فيها المادة بالمعنى، والجسد بالذاكرة، والتجربة بالحس.
تعتمد التجربة المعروضة على مجموعة مختارة بعناية من القطع ذات الحمولة التاريخية والرمزية، من بينها “عظام أوراكل” الصينية التي تعود إلى القرن السادس عشر قبل الميلاد، والتي كانت تُستخدم في طقوس التنبؤ بالمستقبل عبر نقوش تحمل أسئلة الإنسان القديمة. وإلى جانبها، تُعرض رسوم يابانية من القرن الرابع عشر، وصولاً إلى أعمال بصرية حديثة، ما يكشف عن تنوع الوسائط التي حملت السرد عبر التاريخ. هذا التنوع الزمني والجغرافي يؤكد أن الحكاية لم تكن يوماً محصورة في شكل واحد، بل تنقلت بين الكتابة والنقش والرسم والسرد الشفهي والتعبير البصري، حيث يشكل الكتاب مجرد محطة ضمن مسار طويل من تطور الوسائط.
ويذهب المعرض إلى أبعد من ذلك، حين يطرح فكرة أن الأشياء نفسها يمكن أن تكون حاملة للحكاية، لا مجرد أدوات لنقلها. فـ”عظام أوراكل” لا تقدم نصاً تقليدياً، لكنها تحفظ آثار طقوس إنسانية ورؤى عن المستقبل، بينما تبني الرسوم اليابانية سردها عبر تسلسل بصري يتطلب من المتلقي تتبع الصورة كما لو كان يقرأ قصة تتحرك أمامه.
هذا التصور للسرد يجد امتداده في أعمال الفنانة والكاتبة السورية ريم الحلو، التي تقدم مقاطع من روايتها المصورة “طريق البلقان”. العمل، الذي يستند إلى تجربة حقيقية لهروبها من دمشق إلى برلين عام 2015، يتخذ شكل يوميات بصرية غير مكتملة، تتكون من لقطات متفرقة وجمل قصيرة ومساحات بيضاء مفتوحة. هنا لا يسير السرد وفق خط زمني واضح، بل تتداخل الصورة مع النص لتصبح جزءاً من بنية الحكاية، بينما تتحول الفراغات إلى عنصر دلالي يشارك في إنتاج المعنى. ويعكس العمل حالة المنفى باعتبارها تجربة شعورية قائمة على التشتت والانقطاع، حيث تتعطل الحدود بين الماضي والحاضر، وتبقى الشخصيات معلقة بين زمنين غير مكتملين.
يسعى المعرض إلى إعادة الاعتبار للحكاية بوصفها تجربة حسية متكاملة، لا تقتصر على القراءة، بل تشمل الرؤية واللمس والتفاعل المباشر مع المادة. وبهذا، يعيد ربط السرد بأصوله الأولى كفعل جماعي كان يُمارس في لحظة حية، قبل أن يتحول إلى نصوص مكتوبة منفصلة عن سياقها الاجتماعي.
كما يعكس المعرض تحولات معاصرة في أساليب العرض المتحفي، حيث تُقدم القطع داخل سياقات تاريخية وثقافية تتيح للزائر إعادة بناء المعنى بدلاً من تلقيه جاهزاً. وبهذا يصبح المتحف فضاءً مفتوحاً للتأويل، يشارك فيه المتلقي في إنتاج القراءة الخاصة به.
ورغم طابعه الأكاديمي، ينجح المعرض في تجنب الإفراط في الشرح النظري، مكتفياً بإتاحة مساحة للتأمل البصري والفكري في آن واحد. كما يمنح العدد المحدود من الأعمال كل قطعة حضوراً مركزياً يتيح تفاعلاً أعمق معها، ويحول الصمت البصري إلى جزء من التجربة.
ويبرز أيضاً اهتمام واضح بفكرة التبادل الثقافي، من خلال جمع أعمال من الصين واليابان وسوريا داخل فضاء ألماني واحد، بما يفتح السرد على كونه لغة إنسانية عابرة للحدود. وهكذا لا يقدم المعرض تاريخاً للأدب بقدر ما يعيد طرح سؤال مفتوح حول طبيعة الحكاية، وكيف تُصنع وتُعاد صياغتها عبر الزمن والوسائط المختلفة.
طنجة الأدبية

