تمهيد:
عُرِفَ في جل المدارس الأدبية والفكرية، التي حللت نظريتي القراءة والتلقي، على أنهما متطابقتان غير متباينتين في الأدوار، ويحكمهما التداخل التماثلي، في غمار قراءة النص.. فلهما هكذا، أي القراءة والتلقي، وظيفة قرائية شبه واحدة، لا خلاف بينهما، كما هما.. لكن هذه الدراسة الراهنة، لها وجهة نظر أخرى مغايرة كليا.
1) دواعي التمفصل أدبيا:
إن المدخل للموضوع، يستوجب طرح السؤال التالي: هل يعتبر هذا الإشكال الأحادي، في نظرية الأدب عامة صحيحا، إذا كانت تركيبته الخاصة، على منوال القراءة=التلقي؟ طبعا «لا» في نظر هذه الدراسة الراهنة، لأن هذا الظن لم يثبت ثبوتا كاملا، وبالتالي سيكون المعنى غير متوازن بين التّأليف كَطَرْح والنقد كقراءة.. فمن هو الْمُلْقِي ومن هو الْمُتَلَقِّي؟ ولذا سنسائل دراستنا هذه، عن هذا الطرح التمفصلي كما هو وارد أعلاه، فيما يلي:
2) مفهوم التمفصل:
إن التمفصل كما أشير إليه في عتبة العنوان أعلاه، يَفْرِضُ نفسه لضرورة التمييز والنأي عن الالتباس التاريخي وكذا الذهني، في عالم النقد الدراسي الأدبي، بين القراءة والتلقي . ومن التبريرات التي تؤسّس لذلك، هي أنه لا يمكن لنا أن نتلقَّى بشكل مقنع، مِنْ خلال تحليل صحفي أو خطبة سياسية أو انتخابية أو إشهار دعائي، خطابا مطروحا، يغري بالاطلاع والقراءة، دون أي تحليل للرسالة الموجهة إلينا، ودون تفحص لآلياتها اللغوية واللسانية والدلالية كأسلوب ومضمون.. ولذا تلزم هنا عملية قرائية لما قبل التلقِّي، وليس العكس.. وهكذا سَتُبْذَلُ جهود مُمَحِّصَةُ، سواء كانت ظاهرية أو باطنية، قصد تمكين القراءة من تِبْيَان الهدف منها، ثم تَمَكُّن التّلقي من الاقتناع بالمقروء، سواء قبولا أو رفضا أو تقويما.. فما هي القراءة وما هو التلقي، ومرتكزاتهما؟ وللإجابة فإن من الضروري تحليل المفهومين وفق نظرية الأدب الحديث والمعاصر.
3) الانبثاق الوجودي للقراءة ولزومية التلقي:
-إن ما لا يمكن للأنثروبولوجيا الثقافية التنكر له، هو أن القراءة المكتوبة لم تكن من قبل موجودة.. ولذا فمن البديهي أن يتواجد التلقي، كغريزة فطرية.. فقد كان هو المُسْتَقْبل المباشر والأسبق، للمعرفة البدائية، ويُعْتَمَدُ عليه للفهم اللحظي تأويلا… وبالتالي فالخط الكتابي بديهيا، هو نفسه لم يكن موجودا، إلا على مستوى الرسوم اليدوية والعفوية… موازاة مع التصور الوجداني وإشارات التفاهم المُرَمَّزَة.. وهكذا، ففي إطار تراكم سوسيو- معرفي نطقا، وبتحفيز التواصل المنطوق كلاما، كان الاستعداد للكتابة التي فرضها هذا الزخم، بدافع الحاجة إلى الاتصال والتراسل والتخاطب، إلغاءً للمسافة وتوثيقاً للمنطوق. ولذلك وجدت الكتابة بأشكال ما، وأهمها على سبيل المثال لا الحصر كما هو معروف، الكتابة «المسمارية» و«الهيروغليفية» وغيرهما… وقبل كل ذلك كانت رسومات بأوجه شتى، تحولت إلى ما أمكن تسميته حروفا.. ثم صاحبت ذلك تدريبات للخروج من «الأمية» البدائية قِرائيا، إلى الكتابة الأبجدية اشتغالا، حيث سُنِحَتْ الفرصة للقراءة كي تكون قراءة محضة، تعتمد على قدراتها البحثية والتبْليغية… وهكذا تم ابتكار القراءة لغرضها، كنشاط دينامي متحرك وفق مواضيعها… وبالتالي فُرِضَتْ تطوّريا قراءة تعلمية وتعليمية، ثم قراءة استطلاعية، فقراءة منهجية.. من هنا تطورت القراءة تطوراً واسعا، على مستوى المفهوم وبيداغوجية التبليغ، من أجل الفهم المعمق أساسا، والذي أضافه إليها بإحكام، المربِّي وعالم النفس تور نْدايك.. وهو عالم أمريكي ديداكتيكي-(1949-1874)-°1، إذ لم يُرِدْ لها أن تكون عملية آلية بحثة تقتصر على مجرَّد التعرُّف والنطق، بل عملية معقدة تستلزم الفهم المعمق. فالفهم إذا، وتجاوزا للقراءة الابتدائية، هو فعل التمحيص في بنية النص، لغة ومعان وتراكيب.. فكان التطور في اشتغالها المنضبط، هو التفكيك والتحليل والاستنتاج … ثم من الضروري هنا، أن تتطور إلى عنصر هام، وهو النقد الذي يلازمها وتتلازم معه، في نطاق النص. وهكذا وفي سيرورة المعرفة البشرية الحديثة، تحولت القراءة إلى قراءة تجريدية، حيث انصبَّ جل اهتمامها على الأبحاث في اتجاه النواحي العلمية الدقيقة وعلوم الإنسان الواسعة، وكذا الترجمة وأشكال التناول الأدبي.
1-3) قطبية القراءة النصية والبعد الشمولي: لقد صارت القراءة إذا، بالنسبة لهذه الدراسة، خطاطة متكاملة بذاتها، تشتغل على عدة واجهات، مفاهيمية ومنهجية ولغوية… ولهذا تواجد قارئ مُشَخْصَن، كآلية من آليات الفعل القرائي الشمولي.. فصار فارضا نفسه وثابتا في دوره الفعَّال، ضمن اشتغاله على ذاته. إنّ القارئ إذا، ملزم بأن يكون مؤهلا كي يصير قارئا نموذجيا°2، بمفهوم أمبرتو إيكو وهو فيلسوف إيطالي-(1932/ 2016)- فقد اِعْتَبَرَهُ ضروريا، لامتلاكه صدقية الاشتغال والتناول النصي والمنهجي، قادرا بتمرسه على الملاحظة الدقيقة والاستيعاب الرؤيوي، حيث ينفخ من روحِه في النص، توسعا وتأثيرا وتأثرا أيضا.. فالقارئ من هذا القبيل، له طبعه وذوقه وسيكولوجيته ومعارفه النظرية… وهذا ما يضيف ضمن القراءة ككل، ظاهرة ثقافية أدبية مركزية، هي ما يجعله عنصرا قرائيا، في نظر هذه الدراسة، يَطْبَع ويُثْري القراءة الكلية الشاملة والتي تفتح له المجال، مضيفا إليها عنصرا ذاتيا. إنَّ الدراسة هنا ترى أن القراءة الكلية، هي من تجعل هذا القارئ عنصراً ناجعا بفاعليته… إلى أن تستقر على منظور عام، أو تستمر في لفت اهتمام ذائقة أي قارئ آخر.. وبذلك تسعى في سيرورتها، لأن تفرز من خلال مضامين النص وثوابته، تنوعا واسعا، سواءا فرديا ونخبويا وفئويا كذلك… لكل منهم رؤيته التي تخصه. فالقراءة إذن موجودة، تمشي على الطريق، حتى عند عامة الناس، سواء في الحياة العملية أو الاجتماعية، حيث الحدس والمهارة وآليات الاشتغال الذاتي.. وهذا هو ما يجعلها متعددة الرؤى، ومتنوعة الغايات، ناشرةً لِكُلِّ جمالية واكتساب من النص وإليه… سواءً باختلاف أو بتواؤُم. -ولتقريب الفهم عبر مثال سوسيوثقافي عام، وهو نموذج شعبي، فإن الفلاح مثلا ودون حصر، إذا ما اعتزم شراء بقرة فهو يلجأ إلى وسيط قرائي حتى ولو كان هو نفسه، يستخدم ملكاته وتجاربه أولا، من أجل أن يقرأ تلك البقرة ظاهريا ونوعيا ومنفعيا… فهو يفترض ويسأل ويستشير ويتفحص ما أمكن له في إطار مشروعه، استكشافا لما ظهر وما خفي من استغلالات، كي يتقبل البضاعة أو يعتبرها غير ذات جدوى… وبذلك يَفْهَمُ ما إذا كانت صفقة مربحة أم خاسرة … بمعنى أن القراءة هي في حاجة إلى الفهم، فلا تكتفي بسطحية، بل تتعمق وتستبق وتستنتج في محاولة جعل التلقي المُنْتَظَرِ، لا يكتفي بما يرد عليه عبر المقروء، بل يتأمل ويفكر ويتغيى ما يقنعه.. من هنا فالفعل القرائي هو نشاط أنساني نظري وتطبيقي، ذو خبرة وذكاء وتجارب، بغاية الفهم الخاص، كما هو مشروع الفلاح وبقرته، دون أن يدري فيما تلقاه، هل سيكون مُلَاماً عليه أو مُنَوَّهاً به، عند التلقي المباشر. وهذا ما ينطبق أيضا حتى على السياسي والمدرس والاقتصادي والمحامي، والقاضي إلخ… وذلك متى كان التحقق والاقتناع، وفق تلقٍّ مرغوبٍ.
2-3) قطبية التلقي الأدبي والبعد التحكيمي:
إن من أهم النظريات التي فتحت للنقد مجالا واسعا ورحبا، هي نظرية كُونْسْتَانِيسْ الألمانية°3.. فهي بحث مُمَنْهَجٌ لعملية القراءة، وتستند إلى طروحات تقدمها عن مفهوم القراءة، والذي أضحى موضوعا محوريا في العصر الحديث.. إذ تحولت هذه القراءة الأدبية للنص خاصة، من نمطية البنيوية اللسنية إلى قراءة القارئ التفاعلية مع النص، عبر مكتشفات تُثْرِيه، وتفجر دلالاته لتخرجه من جموده، الذي كان مع تجربة المنظور الأحادي السانكروني للبنيوية النمطية، تجاوُزا إلى ما بعدها..
فالقارئ كما هو مركّزٌ عليه، في النظرية الألمانية كونستانس لدى هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، وهما من كبار المنظرين في الغرب عامة، يَعتبرانه أي القارئ، شرطا هاما نظرا لكونه هو الأسبق والأكثر اتصالا بالنص مباشرة… إذ «لا معنى للنص إذا لم يُقرَأ».. فلابد أن يرتبط به هذا القارئ إذا كان قارئا نموذجيا، له درايته وفهمه، ومُتَمَكِّن من إعادة النظر في المقروء وتحيينه، وفق ما يُسْتَجَدُّ حسب عصره وزمانه… أما الدراسة الراهنة، فتهتمُّ أساسا بالقراءة ككتلة عامة لها مكوناتها التي تُجْمَع، ويكون القارئ ضمنها كعنصر سياقي، وقاعدة اجتهادية.. فهو مُكَوِّن من المكونات المساعدة للقراءة الشمولية.. إن نظرية القراءة في النقد الأدبي الحديث بالمفهوم العام، تَرَاها الدراسة الراهنة صياغة تصورية، بين الركائز الأساسية التي يُتَعامَل معها كعلامات مُحتَّمة، وعبر منتوج القارئ أو القرَّاء. فالعلائق الترابطية، التي تبدأ من المؤلف كتلق استلهامي، إلى تَلَقِّيَاتٍ متتالية مع بعضها، ومنها النص والكاتب والقارئ، ثم القراءة الشاملة، فالتلقي النهائي، حيث الاحتكام لديه. إن التحديدات المشغلة للقراءة هي ما يعطيها مصداقيتها ارْتِباطاً بتلك الركائز الأساس.. وهذا هو ما يوضح حضور دور القراءة وهويتها في كل الاتجاهات الأدبية وبكل مرتكزات الربط والترابط، حيث تمتدّ هذه القراءة بنوعيتها عالميا لدى الشرق والغرب.. وباعتبار شمولية هذه القراءة الجامعة، فَلَنْ يقابلها بالضرورة، إلا تلقّ شامل مانع.. فقد دعاها «أمبرتو إيكو بالسيميوزيس°4، الذي استقاها من الهُرْمُسِيّةّ °5 اللامتناهية عند «تشارلز ساندرز بيريس»، وهو فيلسوف ومفكر متعدد أمريكي، (1914-1839)، حيث يَطْرَحُ هذا المَفْهومُ، أي السيميوزيس، تأويلات غَيْر متناهية تتناسل دلالات، باعتماد عنصر المماثلة والتماثل بين علامات السيميوطيقا ومُخْرَجَاتِها.. فكلما اعتبرنا أننا إزاء عملية مُمَاثَلَة، فإن هذه ستحيل إلى مُمَاثَلَة أخرى، ضمن خط تصاعدي لا نهاية له، مما يجعل عملية القراءة غير محدودة، تمتد بمنطق المماثلة الدَّالَّة على تعدد القراءات الترابطية سيميوزيسياً، وبالتالي تعدد سلسلة المتلقين ورُؤاهم. فالدراسة لدينا تعتبر القراءة هي السابقة منهجيا على التلقي في السياق العام، إذ تكشف عن المقروء قبلا، ولها بنية قائمة في حد ذاتها، يؤثثها نهج تكاملي، في انتظار مُصَادَقة التلقي الشمولي عليها.. ومن غير الصحيح أنها هي مركز الفهم والاستيعاب النهائي، بل لها فحسب الكشف الجمالي والتمحيص المعرفي والتأثيث المنهجي، الحاضرة كلها في النص بتعدد تَصَوُّراتٍ لها، تختلف أو تتماثل، منتظرة تلقيها الشامل والذي لا مناص منه.. فلا تتعدى هي عنصر الاستنتاج الأولي، كما يحصل ضمنها وجوبا. فالقراءة إذن، تنفرد بآليات الضبط التي تتصل بالنص مباشرة عبر مكوناتها، ومنها القارئ، فتجعل من كليتها عالما مُهَيْكَلا تحكمه منهجيات تنصيصية وتفكيكية وتحليلية، لتُعْرِضَ على التلقي مقروءَها، وليس لها غيره يستقبل استنتاجها. ومن الأمثلة التطبيقية أيضا، وعلى سبيل المثال المسح العلمي الطبي «سكانير» على الجسد لنشر معطياته من أجل المعالجة وفق ما يحكم به الطبيب تجريبيا، وذاك هو التلقي.. وهكذا تقوم القراءة بالتبليغ والإرسال وتبقى معلقة إلى حين الاحتكاك بتلقيها كقناعة ذاتية، قد تكون داخل النص أو حتى خارجه.. فالحاجة لدى التلقي قبل الاقتناع، هي التعرف المتطوّر والمعقد على الكثير من الحيثيات النصية للتأكد من استيعابها، من خلال تأمّلات تطرح تساؤلات وهواجس، كثيرا ما تخامر الذات الباطنية الخاصة بهذا التلقي.. من هنا يتضح أن القراءة هي وسيلة لها غايتها الخاصة كما هو معروف، حتى يستطيع التلقي تبيان حقيقة النص المفترضة، ليصادق بمحض اقتناعه على المضامين المُحْتَوَاة، ويراجع آلياتها، من أجل غاية تهدف إلى شيء ما، يكون هو المحور السويّ للتلقي.. فيكون ذلك هو استنتاج/الاستنتاج، له صلاحيته الأدبية والفنية والفكرية. وبذلك أصبحت القراءة وكذا التلقي متحررين من نمطية الالتباسات التي تجعلهما رهيني النص دفعة واحدة، دون فرز للأدوار بغاية إقناع الذات الجوهرية.. فقد حصل ولازال يحصل التباس مغلق بين كل من القراءة والتلقي من خلال القاعدة أو الخطاطة الكلاسيكية: (الرِّسالة والمُرْسِل والمرْسَل إليه)، فمَنْ هو هذا ومن هو ذاك على مدى الاشتغال؟ فهذا الالتباس قد استرسل في كل المجالات السمعية والبصرية، وفي المنطوق والمكتوب والحِسّي، إلى يومنا هذا، وكأنه أمر طبيعي.. فأنت تستمع إلى مكالمة هاتفية لتفهم وتترجم لدهنك وتخمن دفعة واحدة، وفي نفس الآن أنت مطالب بأن تدرك وتستوعب، فتَقْتَنِعْ وتَحْكُم… والمثال يصح في كثير من الأحيان، عبر رموز وإشارات ميمية يدوية أو تلميحية، كالتجاوب بين سائق السيارة مثلا وعلامات المرور، فتتلقى الذات الباطنية الموقف بإقناع، لكن قد يحدث الاستثناء بشكل آخر غير مقنع… فهذا هو ما يُعْتَبِرُ سيميولوجياً عِلمَ العلامات، والذي اختص به فردينان دو سوسير -(1913-1857)-°6 معتبرا العلامة غير محدودة الدلالات،.. وهذا هو ما يَسِيرُ على هداه رولان بارث، وأمبيرتو إيكو، ومنهج السيميوزيس عامة.
4) البعد المقارن بين القراءة والتلقي:
1-4) القراءة وهويتها:
لقد اعتبر الأدب الغربي أن علاقة القراءة بالنص ليست مثل العلاقة بالمرآة، فخلَّصها من التبعية وأعطاها هويتها.. من هنا نستنتج أن القراءة تكون بالضرورة منهجية- معرفية- تقنية، لِتُلِمَّ بالنص في مُخاتَلاتِه… أي لها اشتغالها المعياري وقصديتها الكامنة، وفق نوعية الأدوات والآليات التي تستخدمها أسلوبيا وموضوعيا… فهي وظيفة جرد في علاقتها بالنص، لكنها تنتظر بالضرورة استحسان الْمُطَّلِع عليها بالتنويه كغاية قصوى.. فقد صارت القراءة بمفهومها المعاصر بالنسبة للغرب، قطبية أساسية متكاملة، في الميدان الدراسي، إذ هي الكل الذي يُحْتَكَم إليه.. وما التلقي إلا مرادفا لها مدمجا في المنظور لديها.. غير أنّ دراستنا الراهنة، ترى أنّ القراءة بكليتها تضطر لِأنْ تتقابل مع هذا الْمُطَّلِع بالضرورة، والذي ما هو في الحقيقة، إلا ذاك التلقي رغبة منها أو منه، لاستجلاب اهتمام الآخر بينهما، فيُثار التراضى، من خلال ما يُتَقَدَّم من كشف، ظاهريا أو حتى ما ورائيا، لمقروء شامل وجامع، سواء بالنسبة للدارس أو الباحث أو الناقد… والسؤال الفارض طَرْحَه، هو ما هي حدود القراءة وحدود التلقي؟ بمعنى حُدودَيْ الإقناع والاقتناع؟ وهل ما نقرأه يُدْرَكَ في حينه، فيستقر في العقل الباطني والنفسي والذكائي والمنطقي دفعة واحدة؟ إن القراءة، وفق قدراتها الديداكتيكية، هي مطلوبة بمنهجية معينة، كالتأويلية أو البنيوية أو السيميائية، وكل آليات التواصل مع النص، من روابط وأدوات ومقاصد ولغة وأساليب… وذلك قصد تصفية الوضع الذي تُراهِن هي بالضرورة، على إيصال معناه وتخمين هدفيته، إلى المتلقي المستقبل لها، إقناعا واقتناعا.
2-4) التلقي وهويته:
إن ما يغلب على التلقي ويميزه، هو أنه يمثل موقفا ما، يبحث عن تحقّقه في النص ومقروئ هذا النص شموليا.. ولذا فإن القراءة تحاول التقرب من التلقي بعد اكتمالها… فهي تتوقع أن ترضيه… إذ ليست هناك قراءة إلا ما قُرِأ وتم استنتاجه، وليس هناك تلق إلا ما خَلُصَ تَلَقِّيه بعد اقتناع، وتم استنتاج/استنتاجه. إذن فالقراءة هي اجتهاد، تعمل على الكشف عن ملامح النص علما بأن كل نص، عند خضوعه للاستنطاق، لا يبوح إلا بما أمكن، من أسراره.. ولذلك فالقراءة تحفر فيه بغاية اكتساب كل مكنوناته حتى لا تصاب بانتكاس، عند إقرار التلقي. إنها إذا هي وظيفة مسح في علاقتها بالنص، وتنتظر التجاوب الذي يخص إقرار التلقي الحاسم.. فهذا الإقرار هو ما يعطي للقراءة مصداقيتَها شريطة أن يكون له اقتناعه، وإلا يجب طرح الإشكال لنقاش نقدي تداولي.
فالتلقي إذا هو وظيفة طرح عام، لما يُسْتَنْتَجُ/اسْتِنْتاجُه، بعد استيعاب المقروء.. فقد يظهر له إمّا محرفا أو مُقنِعا، أو ناقصا أو مُبَالَغاً فيه، ضمن القراءة ونهجها ككل.. ولهذا على المطلع أن يكون قارئا متمرسا أو ناقدا متمكنا، ليتناظر مع تلقي/ه، منخرطا في النقاش.. ودون ذلك سينعدم التواصل بين القراءة وتلقيها، سواء في الذات الواحدة أو الذوات الجمعية.. فمن المفروض عموما أن يكون بعد كل قراءة تَلَقِّ، له دوره الشمولي ورأيه النهائي الحاسم، إلى درجة امتلاكه لقراره المرجعي الخاص.
فالتلقي إذا، هو عنصر غير قرائي بل تفحصي أكثر، يشتغل على ما يتلقاه، فيتجاوب لكن في صمت ودون سطور. شأنه شأن كل المخلوقات الأخرى، عندما تتذوق بتلهف أو تمتنع بابتعاد… لكن ومع تطور الكتابة والقراءة، فقد تطور هو أيضا من بدائيته، مسايرا النهج العام، ليشمل عناصر تكتيكية، كالمراقبة الذاتية- والتوق الواعي- والخطاب الإحتمالي- ثم البسط الرؤيوي.. وذلك مثلما يكون في صمته مستمعا إلى المُحاضِر الذي يتكفل بنقل المقروء إليه، حيث يشتغل هذا التلقي بخلفيات، ومنها التمعن- والتأمل- والتفاعل… تعميقا وتعليلا… إنه عنصر ذاتي كامن، يحضر بناء على معطيات قراءة، تَحْمِلُ على عاتقها اسْتِمالتَه، وضرورة إنجاحها معه، بإقناع واقتناع، مع تجسيد القاعدة الشهيرة «ماذا نكتب ولمن نكتب»؟ فقد يَقبل التلقي بالمقروء أو يلغيه أو يُقَوِّمُه، كمراجعة حاسمة.. فهو منتظر للقراءة كليا بمكتبه، حتى تستوفي أشغالها وتسلم له طيّاتِ مِلَفِّها… فالقراءة إذن، متى حصل فيها اختلال فلن تكون مقنعة للتلقي، حتى ولو أدلجته عبر مناورة لها، إبداعية كانت أو تأويلية أو زئبقية بزخرفاتها.. إذ لا يعدم أن يكون ثابتا في موقفه الحاسم… وهذا ما يصطلح عليه باستنتاج/الاستنتاج.
5) الاستخلاص العام:
يُستخلص من كل مقروء، أن القراءة لديه هي معطى سابق على التلقي، وتنتظر تجاوبه معها.. أما القارئ كفرد، هو عتبة هامة لدى النقد الأدبي الغربي خاصة، لافتراض أن قراءته مركزية ونموذجية… غير أن تصوراته هي شأن دراسي وانفرادي… وبالنسبة للدراسة الراهنة، فإن كلَّ مقروءٍ فردي، هو محسوب ضمن القراءة الشاملة، ويُحْسَمُ أمرُه مع التلقي الشامل أيضا، عبر تجاوب هذا الأخير مع ما يقابله من تواصلٍ للقراءة وفق متن النص… فالطبع العام للقراءة هو الإنجاز الكلي والإخبار التواصلي مع تلقيها، إذ لا يوجد من تُعْرِضُ عليه مَنْتُوجَها سوى هذا التواصل.. فتروم استنتاجا لها مرغوب… وبذلك يصبح التلقي قابلا لأن يتوجه إلى المقروء لديها، فيتفاعل معه ويَتَوخَّى منه استنتاجا متفاهما، مع الخطاب المطروح… وبالتالي يُسْتَكْمَلُ الفهم العام، إما بالموافقة عليه أو مغايرته أو تعديله… ولابد من أن يكون للتلقي رصيد تجريبي ذاتي، له درايته الواسعة، ووعيه المتقدم، وصلاحية الرأي لديه.. فالقراءة إذا ما حصل فيها اختلال مع التلقي تكون غير مقنعة، تعاكس السيادة الذاتية له.. ومن هنا، ستحدث أزمة من التنافر وتجميد مقروء القراءة، مع التلقي الساهر على التعيير والمعايرة والتجاوب… والغاية من كل هذا هو تحقيق هدفية جمالية، لها منطقها وصلاحيتها ضمن الكل.
خاتمة:
-إن عنصر القراءة يُحْسَمْ في كونه فاعلا كاسحا، يباشر نسخة النص العذراء في انجذاب، حيث يعشقها فيغازلها ويخترقها، ليصير هذا الفعل بمثابة زواج متعة في كنف منهجية تجريبية… أما التلقي في استقلاليةٍ لذاته، هو أساس شرعي لمصداقية هذا الزواج، حيث هو من يوقع العقد… إنها مسؤولية عامة تحتاج إلى تزكية.
هوامش:
الهوامش عامة، هي أيضا تستدعي مناقشة لأفكار ومفاهيم، إما توافقا أو مخالفة أو تأكيدا…
1) إدوارد ثورندايك وهو عالم نفس أمريكي، (1949-1874)- كرس كل أبحاثه عن مفهوم القراءة على مستوى التعلم والتعليم، فأضاف بيداغوجياً عنصر الفهم- (ويكيبيديا) محققة
2) القارئ النموذجي من وجهة نظر أمبرتو إيكو (يعتبر ضميرا لنص المؤلف، يمحص فيه للتعبير عما يريد تبليغه هذا المؤلف…).
3) كونستانس أشهر جامعة للعلوم الإنسانية بألمانيا، وقد ساهمت في التنظير على جميع مستوياتها الأدبية والفكرية واللسانية… وارتبط أسمها خاصة بالفكر والآداب والفنون… 4) السيميوزيس والقراءة والتأويل- موقع سعيد بن كراد.. وهو عالم اجتماع مغربي
http://www.saidbengrad.net/al/n10/5.htm
5) الهرموسية وهي المعتقد الأسطوري الذي يفوق كل الحدود… ومنه أدبيا العلامة السيميوزيسية في التأويل الدلالي والتداولي
6) فولفغانغ إيزر- فعل القراءة- نظرية التجاوب الجمالي، الطبعة 1- ترجمة وتقديم د.حميد الحمداني ود.الجلالي الكدية- منشورات المناهل فاس، 1987.
العربي الرودالي

