تواصل الفنانة المغربية الفرنسية بشرى خليلي، على مدى خمسة عشر عاماً، تفكيك العلاقة المركّبة بين الصورة والسلطة، ساعية إلى إعادة الاعتبار للصوت الفردي باعتباره مساحة للوجود السياسي. في بداياتها الفنية، طلبت من مهاجرين غير نظاميين أن يرسموا خرائط عبورهم ويسجلوا شهاداتهم الصوتية، فصارت الجغرافيا وثيقة حية، وتحول الخط المرتجف إلى أثر سياسي يكشف هشاشة الحدود وصلابة التجربة الإنسانية. لاحقاً، وسّعت مقاربتها لتشمل تاريخ الحركات العمالية وشبكات التضامن العابرة للحدود، مع تركيز خاص على تجارب المهاجرين المغاربيين في أوروبا.
في معرضها “الدوائر والحكاؤون”، المقام في موزاييك رومز بلندن منذ الثامن عشر من الشهر الجاري وحتى منتصف يونيو، تقدم خليلي أعمالاً حديثة تواصل من خلالها بحثها في فكرة الدائرة بوصفها شكلاً تنظيمياً وسياسياً في آن واحد. يستعيد المعرض تجربة “حركة العمال العرب” في فرنسا خلال سبعينيات القرن الماضي، وهي تجربة ارتبطت بنشاط مسرحي وثقافي سعى إلى خلق فضاء تعبيري مستقل. غير أن الفنانة لا تتعامل مع هذه التجربة كأرشيف مغلق، بل كإمكان مفتوح لإعادة القراءة.
في تصور خليلي، تمثل الدائرة بنية تُلغي التراتبية؛ فلا مقعد رئيسياً ولا زاوية خلفية، بل حضور متساوٍ يتيح لكل صوت أن يكون مرئياً ومسموعاً. هذا المعنى يتجسد بوضوح في مشروعها التركيبي البصري-الصوتي، حيث تُعرض تسجيلات مصوّرة لأشخاص يؤدون شهاداتهم أمام الكاميرا، بينما يتحرك الزائر بين الشهادات كما لو أنه داخل حلقة نقاش. الصورة هنا ليست أداة عرض، بل وسيلة للإنصات.
يشكّل فيلم “الحكاء العمومي” (2024)، المصوَّر على شريط 16 ملم، محوراً أساسياً في المعرض. يربط العمل بين تقاليد الحكواتي في الفضاءات الشعبية ومفهوم السرد بوصفه ممارسة سياسية. الكاميرا شبه ثابتة، والإيقاع بطيء، بما يسمح للمتكلم باحتلال المشهد كاملاً، فيتحول الحكي إلى فعل مقاومة، وتغدو التجربة الفردية نواة خطاب جماعي.
من حيث التشكيل البصري، تحافظ خليلي على اقتصادها الجمالي؛ ألوان محدودة، إضاءة متوازنة، ومساحات شبه فارغة تُبرز مركزية الصوت. هذا التقشف ليس مجرد خيار شكلي، بل موقف يُفسح المجال للأصوات المهمشة كي تتقدم إلى الواجهة، داعياً المتلقي إلى التمهل والإصغاء. كما يحمل المعرض بعداً راهناً في سياق النقاشات الأوروبية المتجددة حول الهجرة والهوية، إذ تذكّر الفنانة بأن التاريخ الاجتماعي للمهاجرين لم يكن هامشياً، بل أسهم في صياغة الثقافة والسياسة في البلدان التي استقروا فيها، فاتحةً بذلك سؤال التضامن وإمكاناته في الحاضر.
طنجة الأدبية

