يواصل الحضور المغربي في المحافل السينمائية الدولية ترسيخ موقعه، وهذه المرة من بوابة مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث شكل اختيار المخرجة المغربية صوفيا العلوي عضواً في لجنة تحكيم قسم “آفاق” خلال الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي محطة لافتة تعكس التحول النوعي الذي تعرفه السينما المغربية في السنوات الأخيرة.
ولا يُقرأ هذا الاختيار باعتباره إنجازاً فردياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً على صعود جيل جديد من السينمائيين المغاربة الذين باتوا يحجزون لأنفسهم مكاناً داخل كبريات التظاهرات العالمية، بخطاب فني منفتح يتجاوز السرديات التقليدية، دون التفريط في العمق الثقافي المحلي. ويتقاطع هذا المسار مع اختيار المغرب كأول بلد إفريقي ضيف شرف لسوق الفيلم الأوروبي 2026، في خطوة تعكس الثقة المتزايدة في الدينامية الإبداعية الوطنية.
وشاركت العلوي ضمن لجنة تحكيم قسم “آفاق”، المخصص للأعمال الروائية الطويلة الأولى، وهو فضاء يُعنى باكتشاف الأصوات السينمائية الجديدة عالمياً. وتحمل هذه المشاركة بعداً رمزياً خاصاً في مسارها، بالنظر إلى أن انطلاقتها الدولية ارتبطت هي الأخرى بفيلم أول فتح لها أبواب المهرجانات الكبرى.
وفي تصريحات إعلامية، اعتبرت المخرجة أن تمثيل المغرب داخل البرليناله مسؤولية فنية قبل أن يكون تشريفاً، مؤكدة أن المهمة الأساسية للجنة تكمن في الإنصات لتجارب سينمائية متنوعة، ومحاولة فهم الأسئلة الإنسانية والجمالية التي تقترحها هذه الأعمال الأولى.
وجاءت دعوة العلوي للمشاركة في هذه الدورة عقب عرض فيلمها الطويل “أنيماليا” في المعهد البريطاني للأفلام بلندن، بدعوة من مديرة المهرجان تريشيا تاتل، في سياق تتويج مسار إبداعي تدرج من الفيلم القصير إلى التجربة الطويلة بثبات لافت.
ويُعد فيلمها القصير “لا يهم إن نفقت البهائم” نقطة التحول الأبرز في مسارها، بعد فوزه بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان صندانس، ثم حصوله على جائزة سيزار لأفضل فيلم قصير، ما منحها إشعاعاً دولياً ومهد الطريق لإنجاز أول أعمالها الروائية الطويلة.
وفي “أنيماليا”، تقدم العلوي تجربة سينمائية تمزج بين الواقعي والغرائبي، من خلال قصة تُصور في الأطلس الكبير، وتطرح أسئلة اجتماعية وإنسانية عبر حدث خارق للطبيعة، بأسلوب بصري ولغوي متنوع يجمع بين الأمازيغية والعربية والفرنسية، ويكسر عدداً من القوالب الجاهزة في السينما المغربية.
وخلال حفل اختتام البرليناله، شاركت العلوي في تسليم جائزة “آفاق” لفيلم “كرونيكلز فروم ذا سيج” للمخرج عبد الله الخطيب، وهو عمل يرصد تفاصيل الحياة اليومية داخل مدينة محاصرة، مؤكداً البعد الإنساني الذي يميز اختيارات هذا القسم.
وبعد هذه التجربة، تستعد المخرجة المغربية لإنجاز فيلمها الطويل الثاني “طرفاية” في إطار إنتاج مشترك مع فرنسا وبلجيكا، بالتوازي مع تطوير مشاريع موجهة للمنصات الدولية، تعكس رؤيتها الفنية القائمة على هوية مغربية متحررة من التنميط.
وترى العلوي أن الحضور الدولي لا يتحقق عبر الصور الفولكلورية، بل عبر التعبير الصادق والحر، مؤكدة أن الفن يتيح للفنان الحديث عن بلده دون وصاية. كما يحتل موضوع المرأة مكانة أساسية في أعمالها، من خلال تقديم شخصيات نسائية معاصرة، مستقلة، وقادرة على صناعة اختياراتها.
ويعكس هذا المسار، في شموليته، التحول الذي تعرفه السينما المغربية، والتي لم تعد تُختزل في كونها فضاءً للتصوير، بل باتت مجالاً لإنتاج رؤى فنية قادرة على المنافسة والحضور في قلب النقاش السينمائي العالمي.
طنجة الأدبية

