داخل أروقة صناعة النشر العالمية يتردد حديث متزايد عن أزمة تضرب سوق الكتب غير الخيالية، بعدما بدأت المجلدات المرجعية الثقيلة التي صنعت وعي أجيال في القرن العشرين تتراجع بهدوء من واجهات المكتبات. في المقابل، تتصدر مذكرات المؤثرين وكتب تطوير الذات المشهد، ما يثير سؤالاً مقلقاً: هل تراجعت مكانة “الأفكار الكبرى” لصالح محتوى سريع الاستهلاك؟
بيانات نشرتها صحيفة “التايمز” البريطانية عن عام 2025 تعكس حجم التحول؛ فبينما يواصل الأدب الخيالي، خصوصاً موجة “الفانتازيا الرومانسية”، تحقيق نمو ملحوظ، سجلت مبيعات الكتب غير الخيالية انخفاضاً بنسبة 6% مقارنة بالعام السابق، لتبلغ أدنى مستوياتها منذ 2017. ويعني ذلك تراجعاً يُقدّر بنحو 17 مليون نسخة قياساً بما كانت عليه السوق قبل ست سنوات، في مؤشر واضح على تغير عادات القراءة عالمياً.
أحد أبرز الأسباب التي يطرحها ناشرون ومحللون يتمثل في الصعود القوي لمنصات البودكاست، التي جذبت ملايين المستمعين الباحثين عن المعرفة السريعة. ففي بريطانيا وحدها بلغ عدد مستمعي البودكاست نحو 15.5 مليون شخص خلال 2025. لم يعد الكتاب المصدر الحصري للتحليل المتعمق؛ إذ بات المستمع يحصل على خلاصات الأفكار والنقاشات بضغطة زر، وبدون عناء القراءة الطويلة.
مارك ريتشاردز، الشريك المؤسس لدار “سويفت بريس”، يرى أن الكتاب ظل لعقود يحتكر تقديم المعرفة المتخصصة، لكنه يواجه اليوم منافسة شرسة من المحتوى المسموع، حتى إن بعض القراء استبدلوه بالكامل بالبرامج الصوتية. ونتيجة لذلك تراجع الاهتمام بالموسوعات والسير الذاتية الكلاسيكية وكتب التاريخ الحديث التي تتطلب قراءة متأنية.
غير أن الأزمة لا ترتبط فقط بتحولات الجمهور، بل أيضاً بسياسات النشر ذاتها. فالكثير من الدور الكبرى باتت تفضل التعاقد مع مؤلفين يملكون جمهوراً جاهزاً على “تيك توك” أو “إنستغرام”، ضماناً لمبيعات سريعة تقلل المخاطر المالية. هذا التوجه جعل الاعتبارات التسويقية تتقدم على القيمة المعرفية، وحوّل الكتاب في حالات كثيرة إلى منتج استهلاكي يخضع لحسابات الربح الآني.
في هذا السياق، يجد الأكاديميون والخبراء صعوبة متزايدة في تمرير مشاريعهم الجادة. المؤرخة راشيل هيويت كشفت أن ثلاثة من مقترحاتها لكتب بحثية رُفضت لعدم امتلاكها “منصة جماهيرية” واسعة. هكذا أصبح معيار “الحضور الرقمي” يتفوق أحياناً على عمق البحث وجودته.
تاريخياً، اعتمدت صناعة النشر على ما يُعرف بـ“الكتب القاطرة” التي تفتح نقاشات عامة حول قضايا علمية وفكرية كبرى، مثل “تاريخ موجز للزمن” لستيفن هوكينغ أو “العاقل” ليوفال نوح هراري. إلا أن قوائم الأكثر مبيعاً في السنوات الأخيرة خلت إلى حد بعيد من هذه العناوين، مفسحة المجال لكتب الطبخ والتنمية الذاتية والسير الخفيفة.
إنتاج كتاب مرجعي ضخم يتطلب سنوات من البحث وتكاليف مرتفعة للطباعة والخرائط والرسوم، وهو استثمار لم تعد كثير من دور النشر مستعدة لتحمله دون ضمانات مالية قوية. ونتيجة لذلك، بات الأكاديميون الذين يملكون وظائف مستقرة هم الأكثر قدرة على إنجاز هذه المشاريع، لأنهم لا يعتمدون كلياً على عائدات النشر.
ورغم الصورة القاتمة، يعتقد بعض الوكلاء الأدبيين، مثل توبي مندي وجون آش، أن ما يحدث قد يكون دورة طبيعية في السوق. فمع تصاعد الإرهاق الرقمي وتشتت الانتباه، قد ينشأ “رد فعل عكسي” يعيد الاعتبار للقراءة المتعمقة. فالكتاب، بخلاف المحتوى السريع، يمنح القارئ مساحة للتركيز الطويل والتفكير المتدرج.
نجاح بعض الكتب الاستقصائية الحديثة يثبت أن الجمهور لا يزال متعطشاً للقصص الحقيقية المكتوبة بإتقان. فالقضية لا تتعلق بالشهرة وحدها، بل بقدرة الكاتب على معالجة قضايا معاصرة بعمق وتحليل لا يمكن لبودكاست سريع أن يعوضه.
يبقى التحدي أمام صناعة النشر في إعادة التوازن بين الجدوى التجارية والمسؤولية الثقافية. فإذا استمرت المراهنة على الأسماء ذات المتابعين فقط، دون استثمار في المعرفة الرصينة، فقد يتحول الكتاب غير الخيالي من أداة لتشكيل الوعي إلى أثر رمزي في زمن يهيمن عليه الضجيج الرقمي والاختزال السريع للأفكار.
طنجة الأدبية

