الرئيسيةأخباررحيل صفية الزياني.. وداع هادئ لوجه من جيل رواد التمثيل المغربي

رحيل صفية الزياني.. وداع هادئ لوجه من جيل رواد التمثيل المغربي

الممثلة صفية الزياني

في صمت ينسجم مع مسارها الإنساني والفني، غيّبت الساحة الثقافية المغربية الممثلة صفية الزياني، التي أسدلت الستار على رحلة امتدت لأكثر من تسعين عامًا، تاركة خلفها إرثًا فنّيًا هادئًا وحضورًا راسخًا في ذاكرة المسرح والسينما والتلفزيون. برحيلها، فقد المغرب واحدة من وجوه جيل الرواد الذين ساهموا، بوعي وصبر والتزام، في ترسيخ دعائم الفن التمثيلي خلال مرحلة تأسيسية دقيقة من تاريخ البلاد.

تنتمي صفية الزياني إلى جيل المؤسسين الأوائل لفن التمثيل في المغرب، ذلك الجيل الذي اشتغل في ظروف شحيحة وإمكانات محدودة، لكنه كان يحمل إيمانًا عميقًا بدور الفن في بناء الوعي الجماعي. وقد شكل اختيارها المبكر لاحتراف التمثيل خطوة جريئة، خاصة في زمن كان الحضور النسائي فيه نادرًا ومحاطًا بالكثير من التحفظات الاجتماعية، ما منح مسارها بعدًا رمزيًا يتجاوز الفن إلى المساهمة في تحديث المشهد الثقافي المغربي.

انطلقت علاقتها بالفن خلال خمسينيات القرن الماضي عبر المباريات المسرحية التي كانت تنظمها وزارة الشبيبة والرياضة، حيث برز شغفها المبكر بالخشبة. ومع تأسيس المدرسة الوطنية للمسرح سنة 1960، التحقت بهذه المؤسسة، إدراكًا منها لأهمية التكوين الأكاديمي في بناء تجربة فنية متينة. هناك، تلقت تكوينًا شاملًا على أيدي أسماء وازنة في المسرح المغربي، من بينها عبد الله شقرون وعبد الصمد الكنفاوي والطاهر واعزيز، إضافة إلى أساتذة أوروبيين. وقد جمع هذا التكوين بين التعبير المسرحي وتاريخ وفلسفة المسرح والحركة التعبيرية والرقص الكلاسيكي وتقنيات السينوغرافيا، ما منح أداءها عمقًا خاصًا ووعيًا بدورها الثقافي.

وفي سنة 1962، التحقت صفية الزياني بالفرقة الوطنية التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة كممثلة محترفة، لتدخل مرحلة اتسمت بالغزارة والتنوع. شاركت خلالها في عدد كبير من المسرحيات العربية والأوروبية، ووقفت إلى جانب رواد المسرح الوطني مثل الطيب الصديقي والطيب لعلج، مسهمة في أعمال شكلت محطات بارزة في تاريخ المسرح المغربي. وتميز حضورها بالرصانة والالتزام والقدرة على تقمص الشخصيات المركبة، بعيدًا عن الاستعراض أو البحث عن الأضواء.

ومع سنة 1967، التحقت بالفرقة الوطنية للإذاعة الوطنية، لتوسع مجال اشتغالها الفني عبر الإذاعة والتلفزيون، حيث شاركت في أعمال عديدة رسخت حضورها لدى الجمهور المغربي. ومن خلال هذا المسار، ساهمت في إرساء تقاليد الأداء التمثيلي داخل الإعلام العمومي خلال سنوات التأسيس، محافظة على خط فني هادئ يقوم على الجدية والصدق والوفاء لقيم المهنة.

على مستوى السينما، انفتحت تجربة صفية الزياني على آفاق أرحب، إذ شاركت في أعمال للمخرج الجيلالي فرحاتي، من بينها “أبناء الشاطئ الضائعين” و“ذاكرة معتقلة”، وهي أفلام اشتغلت على الذاكرة والأسئلة الوجودية ووجدت فيها فضاء ملائمًا لحسها التمثيلي العميق. كما شاركت في إنتاجات دولية، من بينها الفيلم الفرنسي “La Nuit Sacrée” المقتبس عن رواية الطاهر بنجلون، حيث أدت دور المربية، إضافة إلى مشاركتها في فيلم إيطالي جسدت فيه شخصية مربية فرعون الثالث، وحضورها في سلسلة ألمانية حول الأنبياء أدت فيها دور زوجة النبي نوح، مؤكدة قدرتها على الاشتغال في سياقات ثقافية ولغوية متعددة دون التفريط في هويتها الفنية.

بهذا المسار، جمعت الراحلة بين التكوين المسرحي الصارم والانفتاح على التجارب العالمية، وبين الالتصاق بالواقع المغربي والقدرة على مخاطبة جمهور متنوع، لتظل نموذجًا لفنانة آمنت بالفن رسالة ومسؤولية أكثر منه بحثًا عن الشهرة.

وكان آخر ظهور رسمي لصفية الزياني سنة 2024، خلال فعاليات الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، حيث حظيت بتكريم خاص إلى جانب الراحل محمد الشوبي، في لحظة اعتراف بمسار فني استثنائي. وبرحيلها، تطوى صفحة من صفحات الذاكرة الثقافية المغربية، وتبقى أعمالها شاهدة على جيل اشتغل في الظل وأسهم، بصدق واجتهاد، في بناء تاريخ الإبداع الوطني.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *