الرئيسيةأخباراطلالات: المنصب بين الاستحقاق …والتحايل

اطلالات: المنصب بين الاستحقاق …والتحايل

رجل يرتدي بدلة رسمية أكبر من مقاسه يقف أمام مرآة متشققة في إضاءة خافتة ترمز لوهم السلطة وانكشاف العجز.

لكي يكون عمود الرأي مرآة صادقة لقرائي، أقدمه لهم بصدق كامل، كنسيم يلامس وجوههم بهدوء، بلا رتوش أو مجاملات. أكتب لأكشف الحقيقة كما أراها، لأثير النقاش، ولأصون صوت العقل والضمير وسط ضجيج الكلام الفارغ.

كم مرة رأينا من أخذ منصبًا ليس له، فوجد نفسه ضائعًا وسط لباس أكبر من حجم كفاءته؟ يتحرك في ممرات مظلمة، يحاول إخفاء تعثر خطواته، ويصدّق أنه يمكن للسلطة أن تمنحه ما لم يمنحه له صوابه ومواهبه. وهنا تبدأ مأساة الوهم.

ان الذي أخذ المنصب بلا حق، يتحول إلى شخص أرعن، يصول ويجول، يتفرعن  في محاولاته لإثبات أحقيته بما ليس له. يصدر قرارات طائشة، يظن أن السلطة تمنحه ما عجز عن تحصيله بالكفاءة، ويغرق في وهم لا يلبث أن يكشفه في كل موقف وكل نظرة:

لأن كل خطوة خاطئة تصبح شاهدة على فشله، وكل كلمة متهورة تكشف ضعفه المتزايد، بل وتصبح صورته واضحة للعيان وان لم يجد أمامه من يجاهر بالحقيقة خوفا من سلطة المنصب الذي سطى عليه فان الله يكتبها له في المرآة كلما نظر اليها ,يقرأها كل صباح هذا الذي سرق منصبا بدون جدارة ولا استحقاق !!  طبعا اليس هو القرد الذي ظهر في فيلم رائع مع صاحبه؟؟؟ فهو فعلا ذاك القرد الذي يُرمى به في بيوت الناس ليحاول التسلل والسرقة، ليعود اليه بالغنائم .

وليس السارق وحده مذنبًا، فهناك من سهل له الطريق، شخص أكثر نذالة منه، يشبه صاحب القرد الذي يرمى بقرده داخل أسوار البيوت ليحصل على الغنيمة ثم يعود بها إليه. وهكذا، يصبح المنصب مسروقًا مرتين: مرة بالسطو، ومرة بالتحايل، فيعيش السارق تحت وطأة وهم مستمر، لا يملك إلا أن يلهث وراء سراب لا يمكن أن يلمسه.

إن مأساة من سرق المنصب ليست فقط في أن الآخرين عرفوا ضعفه، بل في أن ضعفه أصبح يسكنه، يطارده في كل لحظة. كل قرار متسرع، وكل تصرف تعسفي، هو محاولة يائسة لإخفاء عجزه، بينما الحقيقة تكشف نفسها بلا رحمة. إنه يدور في دوامة لا نهاية لها، يحاول إثبات ما لا يمكن إثباته، وكأن السلطة وحدها تستطيع أن تصنع رجلاً لم يخلق إلا بكفاءة محدودة.

أما من نُزعت منه السلطة ظلماً، فقد وجد في هذا الانسحاب فرصة للتأمل، وإعادة ترتيب نفسه، وتركيز طاقاته فيما هو أصيل ومثمر. لم يشغله المنصب عن كفاءته، ولم يلهث وراء وهم السيطرة، بل جعل من فقدانه مساحة للإبداع والعمل الذي يتجاوز كل سلطة. كل إنجاز جديد كان صدى لجدارته ومثابرته، بينما السارق يلهث وراء سراب لا يملك الإمساك به. وهنا يظهر الفرق الجوهري: أن من يعيش الظلم يتآكل داخليًا، بينما من يترك الأمر لله ويثق بكفاءته ينمو ويثمر في صمت. ويجعل من اجتهاده وانجازاته شاهدا عليه .

في النهاية، يظل المنصب مجرد لباس، قد يضيق على من لا يستحقه، ويصبح عبئًا يرهق كل خطوة ويكشف كل ضعف. أما من يتحلى بالصدق والكفاءة، فلا يحتاج إلى هذا اللباس ليُرى، بل يظهر أثره في عمله، في فكره، وفيما يتركه من أثر في حياة الآخرين.

الذي سرق المنصب يعيش وهمًا مستمرًا، يحاول إخفاء عجزه خلف السلطة، بينما الحقيقة داخله مكشوفة بلا رحمة. ومن فقد المنصب ظلماً فوّض أمره لله، واستثمر طاقاته وقدراته، ليصبح حضوره حقيقيًا لا يزول، ونجاحه نورًا لا يمكن لأحد أن يخفت شعاعه.

المنصب قد يُؤخذ، لكنه لا يُعطي الإنسان جوهره. أما الاستحقاق والكفاءة، فهما من يصنعان العمود الحقيقي للرأي، والروح التي تلهم القارئ وتترك أثرها بين السطور، لأن القوة بلا حق تهدر، والحق بلا قوة ينمو ويثمر.

الدكتورة نزهة الماموني

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *