أنظرُ بين المُنى واليَأس إلى السّماء،
لعلّني أرى صوَرتها بعد الفُراق
وقد سَقاني في المَنام هوَاها
إذا بي أمام ظلّ من تُشبهني
أمْعنُ في النظر إلى عَينيها
تكثرُ الأسئلة في ذهني
وتزدادُ المَسافة بُعدًا،
بيْن صورتها وبَيْني
………………
ما أتعسَ الفُرص في حياتنا
هي أيضًا مثلنا تمامًا
ليست لها خياراتٌ كثيرة
…………….
صورةُ جدّي سئِمت من حائطها
تتسلّلُ خلسة في الظلمة إلى غُرفتي
أرَى ظلّها في الليل يتبعُني
أرَى نظَراتها مُوجعَة في دُرج مَكتبي
تكثرُ ضوْضاءُ الحُشود في داخلي
ويُتْعِبُني أزيزُ الكلام
……………
آه، كم أتْعبتْني رائحةُ الغيَاب
وهذا الحنينُ إلى عَينيها
أعيدُ ترْتيب أحلامي ثانية،
وأعودُ مُرهقًا إليّ
إذا بوَجه أمّي مُبتسم أمَامي
وقامَتها مسَافاتٌ لا تنتهي
……………
أمّا وقد فاتَ القِطارُ الآن،
اتْرُكوني هنا أخلُو إلى نفسي
أشاغبُ ما تبقّى من طفولتي
لم تعُد لي فرصٌ أخرى
لأمْعن النّظر ثانية في عَينيك
…………..
سأعودُ يا شجرَ الدّردار واللّوز
أجمع مُقتنياتي من هناك
وما تبقى عالقًا من أحلام الطفولة
أعتذرُ إلى خِلّاني وصبَايَا الوادي
وقد تلصّصتُ على سيقانهنّ العاريَات
أعتذرُ لغَيمة الجَبل التي تغيّر لونُها
وأصبَحت مُقْعدَة فوق الجَبل
ومِثلي من الآتي خَائفة
………………
الفرَحُ يا أَبَتي أسطورةٌ يونانيّةٌ قديمَة
القصيدةُ تُلحّ عليّ بفتح الأبواب
تُلَوِّحُ لي بيديْها البَضّتين
وأنا شاعرٌ مُرْهَقٌ الجسم
أغالبُ سكونَ ليلي الحَزين
……………
الأحلامُ رفضَت ألسنة النّسيان
والأمنياتُ طال انتظارُها
انتظروني يا أصدقائي هنا قليلاً
علّني أرجع ثانية إلى صبَاي
علّني أنْسى أسماء هزَائمي المُعلّقة،
على جُدْران بُيوت القبيلة
………….
كلّ صباح في فصل الشتاء
أطلّ على الطريق من نافذتي
يتمدّد أمامي مُنبسطًا
أمْعِنُ في النّظر إليه،
إذا به يلتوي شبحًا بين أقدامي
………….
أيّها الرّبيع المُقبل من زَمن الطفولة
لن تظلّ أشجاري مُورقة وحزينة
ستُزْهر المُروجُ حتى تلامسُ زُرقة السّماء
وأهدي إلى حبيبتي من مَنْفاي الدّاخلي
أجْمل ما في البرّية من زهرَات
…………..
مَن يسْتُرُ فضائحي في جُنح الظلام،
تحت ضوء القمَر؟
من يُسْرِفُ في اليَقين غريبٌ أعْمى
من يطرُق أبوابًا توصلني إليك
وقد أعْلنتُ بالسّعال عِصيَاني؟
أترُكوا لي أوراقًا بَيضاء،
وانصَرفوا أينمَا شئتُم
أكسِّر بها أصابعَ الطغاة القذرة
اترُكوا وردتي البيضاء تُكمل استدارتها
حتى لا تغادر حدائقي..
أو تفوحُ منها رائحة العطر،
وَهْيَ وحيدة وحزينة…!

إدريس الواغيش

