يقدّم النص المسرحي: الغرباء للكاتب المسرحي الطيب الوزاني تجربة مسرحية تنفتح على أسئلة الاغتراب الإنساني في أبعاده الوجودية والاجتماعية والثقافية ، ضمن رؤية فنية تستلهم تقنيات المسرح الملحمي وتكسر البنية الأرسطية التقليدية.النص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يحوّلها إلى رحلة فكرية وجمالية، يقود فيها الراوي المتلقي عبر طبقات متعددة من المعنى ، مستثمراً السرد، وكسر الجدار الرابع، وتقنيات التغريب ، ليجعل من الجمهور شريكاً واعياً في بناء الدلالة.وتبرز اللغة الشاعرية كعنصر أساسي في تشكيل المناخ الدرامي، لغة تُنصت للصمت بقدر ما تنطق بالكلمة ، وتستثمر الاسترجاع (الفلاش باك) والشاشة التفاعلية لخلخلة الزمن الخطي وإرباك الإحساس بالواقع.كما يشتغل النص على فضاء مسرحي رمزي، لا يُقدَّم كمكان محايد ، بل كمرآة لعزلة الإنسان المعاصر وصراعاته الداخلية ، حيث يتحوّل المكان نفسه إلى تجسيد ملموس للغربة.وتتسم الشخصيات بنص الغرباء بتعدّد أبعادها النفسية والاجتماعية، مجسّدة نماذج مختلفة من الاغتراب، من الغربة عن الوطن والمجتمع إلى الغربة عن الذات، مع حضور لافت لشخصيات رمزية تكشف أزمة البصيرة في زمن السرعة والضياع.
وتظهر قيمة الحوار والسرد واللازمة الزجلية كآليات فنية تُسهم في كسر الإيهام المسرحي ، وتدفع المتلقي إلى التفكير النقدي بدل الانغماس العاطفي.كما يتوقف عند «تغريب المثقف»، حيث يُقدَّم المثقف بوصفه كائناً هشّاً، قابلاً للمساءلة، لا سلطة معرفية مطلقة ، في انسجام مع الرؤية “البريختية” التي تسعى إلى تحرير الوعي لا تخديره.وأخيرا،إن مسرحية «الغرباء» لا تمنح أجوبة جاهزة، بل تفتح أبواب الأسئلة، مؤكدة أن المسرح، حين يلامس جوهر الإنسان، يصبح فعلاً نقدياً قادراً على مساءلة الواقع وإعادة تعريف علاقتنا بذواتنا وبالعالم.
عزيز ريان
شفشاون المغرب


