حلقات رمضان وكتاب: رحلة في الفكر والتأمل
الفلسفة السياسية النسوية سؤال السيادة والكونية في فكر سيلا بنحبيب
من تأليف :د عزيز الهلالي
– الحلقة :21 أسطورة الخنثى
يحكي الشاعر أوفيد (Ovide) عن شخصية الخنثى، أنه نزل يوما ببحيرة ليستحم بمائها الدافئ ولما غشي الماء جسده رمقته سالمسيس (La Naiada Salmacis) فسحرها بجماله ولم تستطيع معه صبرا، فارتمت على عنقه تلف جسده بأطرافها كالثعبان وكانت تصيح “إنه لي…إنه لي…”. كان الشاب يقاوم بقوة، لكنها أحكمت الطوق حول عنقه فاستسلم تحت وابل من القبل والمداعبة. هنالك توجهت إلى الآلهة تناشدها ألا يفترقا إلى الأبد: “يا أيتها الآلهة، أناشدك لقاء أبديا. أنا منه وهو مني”. فاستجابت لها الآلهة هرمس وأفروديث رمزا الجمال.
إن الفتنة الجمالية لجسد الخنثى أقبرتها المعايير القانونية والنظم التنظيمية الغربية التي تمتلكها رغبة في تطويع الأجساد داخل أنظمة قسرية إدماجية وتوزيعية ورقابية. لنتصور لو أن مدونة فلسفية مصرية أو بابلية أو أشورية أو عربية…انتصرت معاييرها الجنسانية وفق مقاييس جمالية لجسد هرمافروديث، ألا يشكل هذا انزياحا كبيرا عن المدونة الفلسفية الغربية ؟
لقد تأسست شرعية المدونة الغربية تحت مقولة أسطورية تبرر من خلالها عملية تسليم القبس النوري من آلهة بروميتيوس، دلالة وصل المشعل الفلسفي من الإغريق إلى أوروبا الغربية. وإذا طرحنا هذا السؤال: لماذا يقبل العقل الغربي بإلزامية المعيار؟ الجواب نلتقطه من فوكو عندما يقول “يجب البحث في نظرية العقد الاجتماعي”. فنظرية العقد الاجتماعي كما تمت صياغتها في إطار الفلسفة الأنوارية تختزل في ذاتها منطق القوة والإرادة العامة للإبقاء على التناغم الاجتماعي والتساوق الأخلاقي.