الرئيسيةالأولىالمدينة الأزلية: طنجة “الوْلَّافة”

المدينة الأزلية: طنجة “الوْلَّافة”

زهير كريم / شاعر وروائي عراقي

بين المدينة التي تراها وبين نسختها غير المرئية، مساحة من خيال يتعاضد مع التاريخ، وطنجة مثل كل المدن؛ لن تفتح لك المخفي منها إلا إذا توفرت لديك الرغبة أو الحلم، إنها المدينة التي لن تغادرك إذا غادرتها. هكذا يقال عنها، والتي ما أن تدخلها حتى تعتاد عليها كما لو أنك تنفست سحرها فامتزج بدمك وخيالك. لكن الأمر بالنسية لي يتعلق على وجه الدقة بالبشر أولا؛ إنهم واجهة النسخة المخفية وليس المرئية فقط، فنحن حين ندخل المدن للمرة الأولى، علينا أن نبحث -حتى لانصاب بالخيبة أو نضيع- عن مفاتيح الخزائن التي تنطوي على الأسرار، وهذه الرغبة أصيلة متجذرة عند البشر، إذْ لا يمكن فهم المدن من خلال الواجهات السياحية، السطح اللامع والجاف تقريبا، بل من خلال الولوج إلى الطبقات الأخرى، الرطبة والحية التي تنبض بالحميمية، الأثر الذي في الأزقة الخلفية، المطاعم الشعبية التي تنبعث منها الروائح اللاذعة للتاريخ، ودخان الشواء، والكلمات التي لا تخلو من التهكم، والحركة السريعة للعاملين بين الطاولات المتجاورة، حتى تبدو وكأنها طاولة واحدة. أما مفاتيح المدن فهي بيد القاطنين، إنهم جذور المكان الذي تنبثق منه الحياة وتدوم، ولو اِلتقينا بالصدفة، أوالتخطيط المسبق بواحد على الأقل من هؤلاء، سنكون محظوظين حقا، شخص يختصر علينا المسافات، يقدم لنا الإجابات، يمنحنا فرصة اختراق طبقة أو عدة طبقات من بنية المكان، ويوفر لنا في الوقت نفسه فضاء حميميا، يجعل المدينة لنا مأوى وليس عبورا، كشفا وليس متعة ساذجة، بل ويمضي بنا عبر طريق مختصر للفهم. هذا لأن المدن كيانات نفسية، نسيج من الأحلام والرغبات، شرائح زمنية متراكمة أكثر من كونها تنويعات على العمارة أو الجغرافية، ليس البحر والصحراء والغابات والجبال هي العلامات التي تحضر بقوة فيما بعد -على الرغم من أهميتها- في قلب وعقل وخيال المسافر، بل البشر الذين يفتحون لنا الخزائن، فمجد المدينة وجمالها وعمقها ووقائعها التاريخية لا يمكن عزله عن سكانها على كل حال، هم الدليل لطفولتها وشبابها وأحلامها، لماضيها ومستقبلها، دونهم لن يكون للمكان معنى محدد يمكن الحديث عنه. هكذا بدأت الرحلة وكانت طنجة هي المحطة الأولى لنا، إذْ هبطنا عند الرابعة مساء من البراق، القطار الذي اختصر الزمن، قادما من الرباط قاطعا المسافة بأقل من ساعة ونصف، متوقفا في المحطة الواسعة المهيبة التي كانت مزدحمة: مسافرون يصعدون إليها ويهبطون منها، ولم يكن الطقس كما تخيلت أقل حرارة من الرباط عندما وجدنا أنفسنا في قلب المدينة، رغم ذلك كانت دهشة اللقاء بطنجة أهم من التفكير بالعرَق الذي ينضح من أجسادنا، أقلنا سائق التاكسي إلى منزل شعلان شريف، شاعر عراقي ترك أمستردام وأقام في طنجة منذ سنوات، جذبته مثل آخرين سبقوه شوارعها وأزقتها، طنجة العالية كما يسمونها لارتفاعها عن مستوى سطح البحر، فصار شعلان من سكانها، العارف بالكثير من أسرارها، مثل كل المسحورين الذين مروا أو أقاموا بها، كالكاتب الأميركي تينسي وليامز، مثلا، جان جينيه، المخرج الإيطالي بريناردو بيرتولوتشي الذي صور بطنجة بعض أحداث فيلمه الشهير “شاي في الصحراء” المستوحى من رواية بولز “السماء الواقية”، الأميركي جون ستينهام والغواتيمالي رودريغو، والروائية الفرنسية فيليسي ديبوا مؤلفة كتاب “طائر بلا قوادم”، صاموئيل بكيت، دولاكروا، مارك توين ، ماتيس، والرسام التشيلي كلاوديو برافو، والرسامة ماركريت مكباي، وباول بولز الذي حلّ سائحاً ليوم واحد فقط على المدينة، لكنَّه ظلّ عالقاً فيها لعقود، وأيضا بوب ديلان الذي غنى في ليالي طنجة، طنجة العالية…

بعد ساعتين تقريبا، اِتصل بنا أحد شعراء طنجة، أحمد فرج الروماني بصوته الرخيم، وبنبرة دافئة رحب بنا. حصل ذلك بتوصية من شعلان الذي كان خارج المدينة وقتها. قال الروماني إنه ملتزم بحضور أمسية شعرية تقام بمقهى صغير في المدينة القديمة: اِلتحقوا بنا إلى هناك. قالها ولم أكن في الحقيقة متأكدا من حقيقة الوصول إلى الموضع الذي حدده، فالمدينة مازالت مغلقة تماما، ولم يكن اللقاء بها سوى لربع ساعة من خلال نافذة التاكسي، عبّرت له عن خشيتي من صعوبة اختراق الأزقة للوصول إلى المقهى. أرسل لي فيديو هو بمثابة خارطة للطريق، انطلقنا عبر شارع موسى بن نصير باتجاه المدينة القديمة، وعبر باب الفحص أحد بوابات المدينة القديمة، صعدنا عبر الأزقة الضيقة الملتوية التي تنتشر على جانبيها المحلات حتى وصلنا بعد نصف ساعة تقريبا إلى زاوية مرتفعة تنفتح في آخر زقاق ضيق في نهايته قوس، على فضاء صغير انتصبت فيه طاولتان صغيرتان، بينما عيوننا تعلقت بيافطة صغيرة مكتوبة بخط مغربي أو فاسي “مقهى الشريفة”. دخلنا مباشرة، وكانت الأمسية قد بدأت فعلا، ولم يكن صعبا على أحمد فرج من معرفة هوية الداخلين، استقر كل منا على كرسي بينما كان أحد المدعوين يقرأ نصوصه الشعرية. وأثناء فاصل قصير بين القراءات، رحب بنا منسق الأمسية، ثم واصل شاعر آخر القراءة في أمسية، عرفنا فيما بعد أنها ارتجالية تقريبا، تقام كل يوم أحد في المكان نفسه، وهي جزء من نشاط تقوم بتسييره مؤسسة ثقافية لديها برنامج للتنشيط الثقافي في المدينة القديمة، يشمل أيضا محترفات مسرحية وعروض موسيقية..، لكن المفاجأة التي لم أكن مستعدا لها، هي دعوتي لقراءة نصوص لي؛ وافقت، فلم يكن من المعقول رد دعوة محبة مثل هذه، أن تمنحني طنجة وقتا في أن أكون منها، ومن غير الجائز أن أرفض يد الكرم التي شملني بها الروماني، بل من الرائع أن تمنحك المدينة في الساعات الأولى لدخولها فرصة أن تقرأ شعرا، وفي الجزء القديم الذي يحتفظ برائحة التاريخ، العمارة والغزوات والثقافة والعلوم والزوايا الصوفية، وفي مقهى ساحرة أسّسها كاتب طنجاوي، “مقهى الشريفة” التي تقع عند “باب العصا” في حي القصبة العتيق، والتي كانت سابقا مقهى شعبي اسمها (قهوة السطح) أما باب العصا القريب منها، فكانت موضوعا لأحد لوحات ماتيس الذي رسم أيضا لوحة على جدار مقهى آخر اسمه شلباط. أما اختيار “الشريفة” اسما للمقهى، فيتعلق بشخصية، كما عرفت من خلال رواية الكاتب المغربي صاحب فكرة تحويل المقهى إلى فضاء ثقافي، كما أن اسم “الشريفة” هو لقب لنساء كثيرات كان لهن حضور تاريخي، مثل زوجة أمير وزان، وأيضا كان اسما لصديقة الكاتب الأمريكي الذي أوقعته طنجة في حبائل ولفها فعلق في أزقتها لسنين.

بعد الأمسية مباشرة، وكانت الشمس قد هبطت إلى البحر ملوحة لنهار آخر بالوداع مفسحة لليل طنجة أن يتلألأ، قادنا أحمد الروماني في جولة عبر أزقة أخرى في المدينة القديمة تقود إلى باب آخر، أثناء ذلك كان يحدثني بدون انقطاع كما لو أنه أراد لي أن استلم كتاب المدينة من الصفحة الأولى وأسير بسرعة حتى أصل إلى أبعد صفحة منه، تكلم عن (طنجاه) التاريخية: كونها من بين أقدم مدن المغرب، وأن (ابن حوقل) و(الحسن الوزان) أعداها ضمن المدن الأزلية، وأن المدونات تحدد نشأتها في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، إذْ استطونها التجار الفينيقيون فيما بعد لتصبح مركزا تجاريا منافسا. ثم ضمتها الإمبراطورية الرومانية في القرن الأول الميلادي لتصبح سنة 42م عاصمة للمقاطعة الرومانية (موريطانيا الطنجية). قبل أن يستولي عليها البيزنطيون سنة 534، فحكمتها إحدى الأسر المحلية (الغمارية) والتي ينتمي إليها يوليان الحاكم باسم قيصر القسطنطينية حتى فتحها الأمويون عام 702.
تحدثنا عن الشعر والشعراء والأصدقاء، عن البحر والمناخ والموسيقى، وكان لابد من الكشف عن الطبقات الأخرى من المدينة حسب تصوره، المدينة القديمة التي لها سبعة أبواب: باب البحر، باب دار الدباغ، باب فندق الزرع، باب الفحص، باب المرشان، باب العسة، باب العصا. وبعد أقل من ساعة انفتحت أمامنا ساحة تطل من الأعلى على البحر، حيث تصطف قوارب الصيادين؛ تلألأت الأضواء في الأسفل، بينما انتشرت الموسيقى في كل مكان داخل الساحة المعلقة مثل جوهرة لامعة للناظر إليها من الأسفل، فطنجة شيدت على هضبة مرشان المحاذية للساحلين الأطلسي والمتوسطي وترتفع بـ 145 متراً عن سطح البحر، بينما ترتفع بعض الأحياء مثل الجبل الكبير، مسنانة والدرداب إلى 170 متراً عن سطح البحر. طنجة العالية التي تخترقها الوديان الكثيرة: مغوغة، المهرهر، الحلق، بوعبانة، واد اليهود، واد الملاح، السواني، غريفة، الشط، بوغدور، بوخالف ومديونة.

عند الساعة التاسعة فاجئنا أحمد الروماني، والذي يشرف على برنامج هو جزء من التنشيط الثقافي للمدينة القديمة، بعطاياه، اقتربنا من مجموعة تغني ريبيرتوار “ناس الغيوان”، الفرقة الأكثر شهرة في المغرب، يشاركهم الجمهور الذي بدا متفاعلا ومتحمسا وراقصا أيضا، بينما سمعت موسيقى (كناوة) التي أحبها تنبعث من مكان ما، سألته عنها فوعدني بمفاجأة أخرى؛ كان الجو ساخنا، لكن المتجولين كانوا قد تصالحوا مع الأجواء الاحتفالية للفعاليات المتنوعة، فلم يعد للعرق الناضح يشكل انزعاجا لنا أمام المسرات الوفيرة. أثناء ذلك كان مضيفنا يشرح ويقدم كل ما احتفظ به من معطيات عن المدينة، الواقع الثقافي والاجتماعي، وأيضا التاريخ، الإكراهات والأحلام، حدثنا كيف استعادت طنجة حيويتها مع انطلاق الفتوحات الإسلامية لفتح الأندلس علي يد طارق بن زياد سنة 711م، وبلغة العارف، أعادنا الى إمارة (ميسرة المضغري) قبل أن يبايع أهالي طنجة إدريس بن عبد الله العلوي. حدثنا عن الفاطميين الذين اقتحموا المدينة، وكيف أن الطنجاويين أعادوا البيعة للحسن الحجام الإدريسي سنة 905م، حيث ظلت المدينة خاضعة لحكم الأدارسة من عاصمتهم (حجر النسر) قبل أن تتعرض لمرات عديدة للهجوم القادم من الشمال على يد الأمويين الذين نجحوا في إنهاء الدولة الإدريسية لتخضع مباشرة للسلطة الأموية، ثم العامرية قبل أن تستقل عن الأندلس أثناء مبايعة علي بن حمود الإدريسي.. حكى أحمد عن أحد مماليك بني حمود (سواجات البرغواطي) والذي استقل عن السلطة الحمودية في الأندلس عام 1062. قبل أن يضم مدينة سبتة وجبال غمارة مطلقا على نفسه لقب (المنصور بالله) والذي يقول أحمد إن إمارته، ومن بعده ابنه ضياء الدولة العز على المدينتين استمرت حتى سنة 1084 قبل أن يقتلا على يد القادة المرابطين. والذين سقطوا كذلك على يد الموحدين، عندما أعلن سكان طنجة الولاء لأمراء سبتة العزفيين، إنها الفترة التي ولد فيها ابن بطوطة. بينما طنجة في ذلك الوقت صارت مركزا تجاريا مهما، وقد شهدت إحدى أهم المواجهات الصليبية – الإسلامية في الغرب الإسلامي، وهي معركة طنجة التي اندلعت بعد قرابة شهر من حصار البرتغاليين لها بقيادة الدوق هنري: دوق فيسو. بينما تولى قيادة العساكر المغربية القائدين صالح بن صالح وأبي زكرياء يحيى الوطاسي.

ومن باب صغير يقود إلى فضاء لم يكن واسعا على كل حال، لكنه حين صرنا في الداخل تشكل لدينا شعور بكثافة التاريخ، وروحانية الموسيقى، وشجن النبرة التي انطلقت مباشرة من حناجر “كناوة”، لقد كانت حفلة صغيرة لكنها مليئة بالحميمية والمحبة بين ثلاثة جدران مليئة بصور معلمي وشيوخ فن الكناوة، وبالآلات الموسيقية القديمة في هذا المحترف الذي يشرف عليه شيخ في السبعين هو آخر أحفاد المغنيين العظماء الذين انتشروا في مدن المغرب جميعها تقريبا، ليقدموا تاريخ العبيد وأحزانهم في قالب فني حين تسمعه لاتملك القدرة على الاكتفاء بالاستماع وحسب، بل تتحول خلال دقيقة واحدة إلى جزء من تاريخ الكناوة نفسه؛ يبدأ جسدك بالاهتزاز تدريجيا لتنهض كأنك أصبت بسحر الموسيقى لترقص، تهز رأسك، وتردد معهم الكلمات التي لم يكن معظمها مفهوما لنا، نصف ساعة من المتعة والجو الساخن وكأس الأتاي الحلو جدا، لكنه زمن طويل مشحون بالمحبة والفن والشجن. موسيقى كناوة هي فن النشوة والدهشة المتواصلة، النغمات التي ارتبطت بطقوس العلاج التي مارسها الأجداد الأفارقة. وارتبطت فيما بعد بالروح الصوفية، تجذب المستمع وتدخله في حالة روحانية يمتزج في تشكيلها الشجن الأفريقي بالعربي والأمازيغي.

توقفت للحظة، كنت أنظر بعيني أحمد الروماني، حاولت أن أكشف فيما إذا كان هذا الحماس يجيء من منطقة الواجب أو الحب: لقد أنفقت خزينك من الكلام المخصص لشهر كامل، سوف تصمت بعد هذه الليلة طويلا على مايبدو! أطلق ضحكته التي لم تكن عالية على كل حال، فهو هادئ وصوته يتأرجح بين الدفء والحماسة، وعلى العكس منحته هذه المزحة جرعة إضافية من الحماسة فواصل الحديث عن الفترة (المرينية الوطاسية) حيث شهدت طنجة انتعاشاً سكانيا عندما استقبلت مئات الأسر الفارة من مناطق الأندلس، كما أنها أصبحت إحدى أهم موانئ الاستقبال لهؤلاء الفارين بدينهم، والذين توغل بعضم نحو بوادي شمال المغرب أو مدينتي فاس وسلا.، قبل أن ينجح البرتغاليون باحتلال المدينة سنة 1471.

في اليوم التالي، وصل شعلان شريف لنبدأ يوما جديدا في هذه المدينة التي لايستيقظ سكانها قبل العاشرة، ولن تجد سوى بعض المقاهي والقليل من سيارات الأجرة في الشارع، ولم أتأكد من كون هذا الاسترخاء يشمل الصيف والشتاء، أم أنه مرتبط بارتفاع درجات الحرارة وحسب، لكن اللقاء بشعلان يحمل رائحة الذكرى البعيدة، وجمال الزمن الذي لم يعد؛ تمشينا في المدينة بعد الظهر، تناولنا الغداء في مطعم شعبي، واخترنا مقهى في القصبة، وعبر باب مرشان، تحدثنا عن تلك الأيام من سنوات الثمانينات، الشعر والأصدقاء وأشياء أخرى، وظهر لي أنه يمتلك الكثير من الأسرار الصغيرة عن طنجة، والكثير من تحولاتها التاريخية، ولأن التاريخ هو البوابة التي يمكن للمرء فهم المدن من خلاله، حدثني عن طنجة سنوات الاحتلال البرتغالي، قبل أن تنتقل للحكم الإسباني بعد الانفصال البرتغال عن إسبانيا، ثم انتقال المدينة لحكم الملك الإنجليزي تشارلز الثاني، وأن الإنجليز هم من أعادوا بناء الميناء الذي مكنهم من السيطرة على مضيق جبل طارق؛ ومن ثمة السيطرة على التجارة في كل البحر الأبيض المتوسط. قال إنها وطوال فترة الاستعمار، لم تسلم من محاولات استردادها براً عبر الحاميات المنظمة للقبائل المجاورة وبحراً عبر أساطيل القراصنة التابعين للإمارات الجبلية المختلفة في تطاون والعرائش وشفشاون والقصر الكبير.
في اليوم الثالث، بدأنا بزيارة المواضع الأكثر شهرة في طنجة العالية، مغارة هرقل، وقضاء فترة الظهيرة في البحر، المارينا مساء، وقبل هذا متنزه ومحمية الرميلات التي لم يسعفنا الوقت سوى بالتجول قليلا في مساراتها المتشعبة، ولم يكن سهلا على العابر أن يتفقد الكثير من معالم طنجة، المدينة الكبيرة مترامية الأطراف والمليئة بالقصور والمتاحف والحدائق، لكن الوقت لا يرحم، رغم ذلك كان لابد من استكمال رحلة طنجة عبر التاريخ، لكي نستوعب هذه الروح المتوقدة التي عبرت كل المصاعب والإكراهات، وصمدت بوجه الحروب، حتى ظلت رائقة وجميلة، بل وراكمت الجمال حيث صارت وخلال العهد العلوي عاصمة لإيالة جبالة، ومقراً للخلافة السلطانية التي يمثلها (خليفة السلطان) لكن الحدث المهم بعد ذلك، هو قيام القوات الفرنسية بقصف المدينة انتقاما من تقديم المغاربة العون للأمير عبد القادر بن محي الدين الجزائري، حيث قُتل الكثير من الناس وتهدمت الكثير من معالم المدينة التاريخية.

في صباح اليوم الرابع لم يكن لنا الكثير من الوقت لمقابلة أصدقاء آخرين، وهذا مؤسف حقا، وكان لابد أن نودع طنجة؛ لكننا امتلأنا بشعور أننا سنعود إليها مرة أخرى، حاولت في تلك اللحظات أن أفكك صفة (ولافة) لأنها في رأيي لا تعني فقط الانجذاب إلى السطح، الوجوه، وأثر التاريخ، جماليات العمارة، ثمة شيء آخر حتما يتعلق بالحب، ليس الحب تماما، بل هو الشيء الغامض الذي يشبه السحر، لقد (ولفناها) حقا كما لو أننا مضطرون لترديد التعبير ذاته ونبرة من انكشفت له الحقيقة: لو غادرتها، لن تغادرك.

 

زهير كريم / شاعر وروائي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.