الرئيسيةأخبارصدور رواية “تحت ظل الرولة” للكاتبة مريم محمد الحمادي

صدور رواية “تحت ظل الرولة” للكاتبة مريم محمد الحمادي

يلعب الاستهلال دوره الدلالي في تشكيل وعي المتلقي بالبؤرة التي تستقطب الأحداث، والنواة  التي تتناسل في رحمها ثيمات النص المركزية أو الفرعية في رواية “تحت ظل الرولة” للكاتبة مريم محمد الحمادي: “ربما حصلت هذه القصة على أرض الواقع، لا أعلم، لكنها حتماً حدثت ولا زالت تحدث كل يوم، على أعتاب العقول المغيبة، حيث تقف الحقيقة في صراع مع الأكاذيب، فتخرُّ خاسرة صريعة، لتصبح منسية على هامش الذكرى، ربما تستقر الأكاذيب وتتربع عرش العقل منتصرة، فما دامت البصيرة عمياء، لن تنتصر الحقيقة أبداً”.

إذا نظرنا إلى المكون الدلالي لهذا الاستهلال الروائي، فسنجده ينهض على ثيمتين أساسيتين: الأولى هي “العقل”، والثانية هي “الحقيقة” مما يعني تأثر العقل البشري بالمكان الذي يولد فيه، فالإيمان بالحقائق الغيبية والأرواح الشريرة يُحيل على تغييب العقل والمنطق في تفسير الأحداث واختيار السلوكات؛ ونسبة الأفعال إلى الطبيعة “شجرة الرولة” التي ستغيّر حياة كل من يقترب منها للأسوأ. وشاء القدر أن يولد أبناء قرية بسيطة في مكان تشكل الخرافة جزءاً من ثقافتهم والبنى الذهنية لمعظمهم، وبهذا المعنى هم ضحايا معتقدات خرافية تحيل ما يحدث في حياتهم الواقعية إلى أرواح شريرة تتحكم في مصائرهم، هذا ما أكده الشيخ الجليل في مجلس القرية وبناءً على ما قاله فإن كل من تطاله تلك الروح الشريرة يجب أن يبتعد قسراً عن المكان (القرية) التي يعيش فيها؛ ويعيش مذموماً مدحوراً ينتظر نهايته المأسوية.

هذه الشجرة الواقعة على ضفاف البحيرة والتي كانت رمزاً للخير والعطاء يلعب الأولاد تحت ظلالها، سوف تصبح بين ليلة وضحاها شجرة ملعونة ونذير شؤم لكل من يقترب منها، وكل من يطأ أرض البحيرة تلك وشجرتها المرتوية بمائها لن يعود سالماً، فلعنتها هي من تسببت بلوثة جنون إبراهيم وتلبّسه الجن، وهي من سرقت روح عبد الرحمن بسرعة خاطفة دون سبب، وهي من قتلت طفلته من بعده… وأسباب أخرى ليست أقل جهلاً تضيء عليها الرواية ستبعد سليمان وابنه ناصر إلى المدينة خوفاً على حياتهما؛ ليلقى الأب مصيره في السجن، ويُترك الابن مثل ريشة في مهب الريح.

يُمكن القول أن الرواية تعبر عن صراع الفرد داخل المنظومة الاجتماعية التي يدور في فلكها، كما تؤكد في جانب منها مسؤولية الإنسان عن أفعاله واستخدام عقله في القرارات التي تقوده إلى صورته وذاته، وتضعه وجهاً لوجه أمام نفسه. وبنفس الوقت فهي تعبر عن صراع الفرد مع كل ما هو مجهول “ميتافيزيقي” في قوى الطبيعة؛ والتوق الفطري لتفسير وقائع الحياة المعيشة بالظواهر الطبيعية من دون إقحام العقل، وقد نجحت الروائية الحمادي في استخدام وسائل تعبيرية أسلوبية حداثية؛ يتم فيها توليف كل هذا وذاك بنَفَسٍ روائي أخَّاذٍ، يتخلله نحتٌ دقيق للغة، حيث التعدد اللغوي والأسلوبي في الروي يشكِّلُ استغراقاً عميقاً في لاوعي الشخصيات، وحفراً في جينالوجيا تلك الشجرة “الرولة” وما توحي إليه من إشارات ومحمولات وترميز حضورها في عوالم النص. وهكذا فما بين الحقيقة والرمز تشيِّدُ هذه الرواية حبكتها الخاصة، وتشويقها المتميز على ضوء رؤية عميقة لِما تؤول إليه حياة البشر وأقدارهم في بعض المجتمعات ومحاولتهم الفكاك من أسرها.

من أجواء الرواية نقرأ:

“سألتُ جدتي ذات يوم عن عمر شجرة الرولة وتاريخها، مدت بصرها بعيداً في الأفق، ثم أخبرتني أنها ربما تتجاوز المئة عام، لا أحد يعلم تحديداً، فقد ولدوا جيلاً بعد جيل وهي شامخة، تراها في ذكرياتها كما هي الآن.. وهذا ما جعلها رمز قريتنا.

كل يوم نجتمع نحن الأطفال أسفل ظلالها الوارفة، يلعب الأولاد جماعات، بينما تتأرجح الفتيات فوق الحبال المتدلية من أغصانها، نقضي وقتنا باللعب ونعود لمنازلنا قبيل المغرب.. ولكن بين ليلة وضحاها، أصبح الجميع يخاف ويتشاءم من الاقتراب منها، يحذرنا أهالينا من زيارتها، بل إنهم أصبحوا يسمونها الأرض الملعونة، بعدما كانت رمزنا المقدس”.

 

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *