تحل اليوم ذكرى وفاة عبد الرحمن الداخل، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس، وأحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخ الأندلس، والذي اشتهر في المصادر التاريخية بلقب «صقر قريش». وقد توفي في 30 سبتمبر عام 788 ميلادية، بعد مسيرة حافلة بدأت عقب سقوط الدولة الأموية في دمشق سنة 750 ميلادية، حين اضطر إلى الفرار من ملاحقة العباسيين، قبل أن يصل إلى الأندلس ويؤسس فيها حكمًا أمويًا جديدًا.
وصل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس بعد رحلة طويلة من المطاردة والتنقل استمرت سنوات، مستفيدًا من حالة الانقسام والصراعات التي كانت تعيشها البلاد، ولا سيما الخلافات القبلية بين المضريين واليمانيين، إلى جانب التمردات المتكررة ضد الولاة. وتمكن من استمالة أنصار الأمويين ومواليهم، قبل أن يخوض مواجهة حاسمة في معركة المصارة، مهدت له الطريق نحو قرطبة.
وبعد دخوله قرطبة، بايعه أهلها أميرًا، واتخذ المدينة عاصمة لحكمه، ليبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الأندلس. وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، انشغل عبد الرحمن الداخل بتثبيت أركان إمارته ومواجهة الثورات والاضطرابات التي اندلعت في مناطق مختلفة، وتمكن تدريجيًا من ترسيخ سلطة الأمويين في الأندلس. واستمر الحكم الذي أسسه في نسله لنحو ثلاثة قرون، ليصبح من أبرز التجارب السياسية في تاريخ المنطقة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن عبد الرحمن الداخل عاش قرابة ستين عامًا، أمضى جزءًا من حياته في دمشق والعراق قبل سقوط الدولة الأموية، ثم قضى سنوات في الفرار من العباسيين والاستعداد للوصول إلى الأندلس، قبل أن يعيش بقية حياته حاكمًا هناك. وتذكر المصادر أنه ترك عددًا من الأبناء والبنات، وكان من أبرز أبنائه هشام الذي تولى الحكم بعد وفاته، رغم أن شقيقه سليمان كان أكبر منه سنًا، وذلك تنفيذًا لوصية والده.
ووفق ما أورده الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، فقد اتسع نفوذ عبد الرحمن الداخل خلال فترة حكمه، واستقر له الأمر في الأندلس حتى وفاته سنة 172 هجرية، حيث دُفن في قصر قرطبة، وصلى عليه ابنه عبد الله. وخلفه ابنه هشام الذي عُرف لاحقًا بلقب «هشام الرضا».
أما لقب «صقر قريش»، فقد ارتبط بقصة شهيرة نقلتها كتب التاريخ عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. فخلال مجلس جمعه بأصحابه، سألهم عن الشخصية التي تستحق لقب «صقر قريش». فذكروا في البداية معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، غير أن المنصور لم يعتبر أيًا منهما صاحب اللقب المقصود.
وعندما سألوه عن الشخصية التي يعنيها، أجاب بأن المقصود هو عبد الرحمن بن معاوية، أي عبد الرحمن الداخل. واعتبر المنصور أن ما حققه الداخل كان استثنائيًا، لأنه تمكن منفردًا من النجاة من ملاحقة العباسيين، وعبر مسافات شاسعة وبراري وبحارًا حتى وصل إلى أرض الأندلس، ثم نجح في تأسيس حكم جديد للأمويين بعد سقوط دولتهم في المشرق.
ورأى أبو جعفر المنصور أن تجربة عبد الرحمن الداخل تميزت بقدرته على الاعتماد على نفسه وحسن تدبيره وقوة عزيمته، إذ لم يصل إلى الأندلس مستندًا إلى جيش كبير أو دولة قائمة، وإنما بدأ مشروعه السياسي في ظروف بالغة الصعوبة، قبل أن يتمكن من بناء سلطة مستقرة وتأسيس دولة امتد أثرها لقرون.
ولهذا بقي عبد الرحمن الداخل حاضرًا في كتب التاريخ باعتباره الشخصية التي أعادت إحياء الحكم الأموي في الأندلس، وحولت قرطبة إلى مركز سياسي مهم، بعدما تمكن من تجاوز سنوات المطاردة والصراع وتأسيس إمارة جديدة شكّلت الأساس لاستمرار الوجود الأموي في الأندلس.
طنجة الأدبية

