كشفت موجة الجفاف والحرارة القياسية التي شهدتها سويسرا هذا الصيف عن آثار تاريخية ظلت مخفية تحت سطح الأرض لقرون، بعدما ساهم تراجع الرطوبة في ظهور علامات على النباتات أتاحت لعلماء الآثار تحديد مواقع منشآت ومعالم تعود إلى الحقبة الرومانية.
وتظهر هذه الظاهرة من خلال ما يعرف بـ”علامات الجفاف” أو Crop marks، حيث تتباين حالة النباتات فوق المواقع الأثرية المدفونة نتيجة اختلاف طبيعة التربة والرطوبة، فتبرز الخطوط والأشكال القديمة بصورة أوضح من الجو. وتأتي هذه الاكتشافات في سياق أوسع شهدته مناطق أوروبية عدة، إذ أدى انخفاض مستويات المياه خلال فترات الجفاف إلى ظهور بقايا أثرية وحطام سفن كانت غارقة أو مخفية منذ عقود.
وفي إقليم فود السويسري، قادت ملاحظة قدمها أحد هواة التاريخ إلى تحرك فريق من علماء الآثار لاستكشاف المنطقة المحيطة بأفينتيكوم، العاصمة القديمة لهلفيتيا الرومانية، والتي تقع بالقرب من بلدة أفانش الحالية. واستخدم الباحثون طائرات مسيرة لالتقاط صور جوية متكررة للحقول، ما أتاح لهم رصد تفاصيل لم تكن ظاهرة بالطرق التقليدية.
وأوضح عالم الآثار في إقليم فود جوردان أناستاسوف أن الاكتشافات التي ظهرت خلال هذه الفترة تعد من أبرز ما عُثر عليه في المنطقة خلال العقود الخمسة الأخيرة، مؤكدا أهمية المعلومات الجديدة التي توفرها الصور الجوية عن طبيعة المدينة القديمة وتخطيطها.
وأظهرت المسوحات الجوية وجود آثار لحمامات حرارية ومبانٍ سكنية وطرق، إلى جانب منشأة يرجح الباحثون أنها كانت معبدا. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن معظم المواقع المكتشفة تقع في مناطق لم تخضع سابقا لعمليات تنقيب أثري.
وكانت أفينتيكوم قد شكلت أحد المراكز المهمة في هلفيتيا خلال العصر الروماني، قبل أن تبدأ المدينة في فقدان جزء من ازدهارها مع تزايد الغزوات الجرمانية التي شهدتها المنطقة منذ القرن الثالث الميلادي.
ولا تقتصر أهمية الصور الجديدة على اكتشاف آثار إضافية، إذ يعمل فريق يضم خمسة علماء آثار على إدراج المعالم التي ظهرت حديثا ضمن الخرائط التاريخية للمدينة، مع تمييزها باللون البنفسجي. وأسهمت هذه العملية في سد عدد من الثغرات الموجودة في الخرائط القديمة وإعادة النظر في بعض المواقع التي ظلت موضع التباس لسنوات طويلة.
وشهدت مناطق أخرى من سويسرا وأجزاء من أوروبا ظهور علامات مشابهة بفعل الجفاف الشديد، غير أن دراسة هذه الآثار وتحديد طبيعتها تظل أكثر صعوبة في بعض المواقع، خصوصا عندما تكون بعيدة عن مراكز البحث ولا تتوفر فيها فرق متخصصة قادرة على توثيق المعالم وتحليلها ميدانيا.
وهكذا، تحول الجفاف، رغم تداعياته البيئية القاسية، إلى نافذة مؤقتة أتاحت لعلماء الآثار إلقاء نظرة جديدة على طبقات من التاريخ كانت مخفية تحت الحقول، فيما توفر التقنيات الجوية الحديثة وسيلة فعالة لإعادة رسم ملامح مدن ومواقع أثرية لم تعد ظاهرة على سطح الأرض.
طنجة الأدبية

